مشينا مع الأقدار، نخطو بين دروبها المجهولة، لا نملك إلا يقينًا يتعثر أحيانًا ثم ينهض، وأملًا يضعف حينًا ويقوى حينًا آخر.
كنا نرجو الله بأقدار تواسينا، وننتظر من رحمته ما يجبر خواطرنا ويخفف عنا وطأة الأيام، حتى أدركنا بعد رحلة طويلة أن لطف الله لا يأتي بعد الشدة فحسب، بل يسبقها، ويمهد الطريق خلالها، ويبقى حاضرًا بعدها.
عندها تعجبت، وقلت: ما إدراك فينا؟ وكيف يحيطنا هذا اللطف ونحن لا نكاد نراه إلا بعد أن تنقضي المحنة؟
فكأن الجواب جاء من أعماق اليقين: أتحسب أن الله يُنزل بك ما كان، دون أن يسبقه لطف منه يحميك؟ أتحسب أن ما نجا من عمرك كان بقوتك وحدك؟ أو أن ما خفف عنك وقع المصائب كان من تدبيرك؟ إن في كل قدر يمر بك لطفًا خفيًا لا تدركه العين أول الأمر، لكنه يتجلى للقلب حين يهدأ ويعيد النظر إلى ما مضى.
حاشا لله أن يكسر همتنا أو يتركنا للتيه بلا عون.
فالله لا يبتلينا ليشقينا، ولا يضع في طريقنا العثرات عبثًا، وإنما يربينا بحكمته، ويهذب أرواحنا، ويصقل قلوبنا، ويخرج من أعماقنا من المعاني ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا.
فكم من محنة أيقظت بصيرة، وكم من انكسار أعاد ترتيب الروح، وكم من باب أغلقه الله رحمةً بنا بينما كنا نظنه سبيل النجاة.
ومع مرور الأيام تتكشف لنا أشياء لم نكن نراها.
ندرك أن بعض الخسارات كانت حماية، وأن بعض التأخير كان عطاءً مؤجلًا، وأن بعض الدموع كانت ثمنًا لنضج لم يكن ليتحقق بغيرها.
فننظر خلفنا فنرى أن يد اللطف كانت حاضرة في كل خطوة، وأن الرحمة كانت تعمل في الخفاء بينما كنا نظن أن الطريق موحش وأننا وحدنا.
وحين يتم الله نعمته، وتنجلي الغمة، وتشرق شمس الفرج بعد طول انتظار، تزهر حياتنا بعد الهم أغصانًا، وتخضر حدائقنا وتصبح بساتينًا، ويتبع النور من كل منابعه، وتغمرنا البركات حتى نعجز عن إحصائها.
عندها لا نتذكر فقط ما نلناه من فرج، بل نتذكر أيضًا كيف حفظنا الله في الطريق إليه.
وهنا يعود السؤال من جديد، لكن بمعنى مختلف:
أيعقل بعد كل هذا أن يكون الذي أصابنا هو كل ما كان مقدرًا لنا؟ أم أن لطف الله قد صرف عنا من الأقدار ما لا نعلم، وخفف عنا ما لا نطيق، وبدل لنا من الشدة ما جعلنا نعبرها سالمين؟
وربما لهذا السبب، حين نقف على ضفة النجاة بعد طول معاناة، يبدو الماضي بعيدًا إلى حد يجعلنا نتساءل: أحقًا مررنا بكل ذلك؟ أحقًا كانت تلك الأوجاع واقعًا عشنا تفاصيله؟ أم أننا، من شدة الفرج والنصر، حسبنا ما مضى مجرد حلم ثقيل تبدد مع أول خيط من نور؟
وهكذا يبقى المؤمن سائرًا بين القدر واللطف، يعلم أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن وراء كل أمر حكمة، وداخل كل محنة رحمة، وفوق كل تدبير بشري تدبيرًا إلهيًا لا يخطئ طريقه إلى القلوب المؤمنة.
فإذا ضاقت السبل، كان اليقين أن لطف الله يسبق الخطى، ويسبق القدر، ويسبق حتى خوفنا منه.
……………………
👁️ عدد المشاهدات: 22
