Skip links

(مدارس أدبية) – الكاتبة/ سعاد بيكة .. المغرب

شهد الأدب العربي الحديث تحولات عميقة، وانتقالات دقيقة، ارتبطت بما عرفه العالم العربي من يقظة فكرية ونهضة ثقافية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. فقد تداخلت الدعوات إلى الإصلاح مع الرغبة في استعادة أمجاد الماضي، وتلاقت الحاجة إلى التجديد مع الحرص على صيانة الهوية، فكان الأدب مرآة لهذه التحولات، والشعر لسانها الناطق وصوتها الصادح. ومن رحم هذه الظروف وُلدت حركة البعث والإحياء، التي اتخذت من التراث العربي منهلًا، ومن النموذج الكلاسيكي دليلًا، ومن العودة إلى الأصول سبيلًا إلى بناء الحاضر واستشراف المستقبل(1).

لقد آمن رواد هذه الحركة بأن الأمة التي تنسى تراثها تفقد ذاكرتها، وأن الأدب الذي ينقطع عن جذوره يفقد أصالته. لذلك انصرفوا إلى إحياء القصيدة العربية في بنائها وأوزانها وصورها ومعجمها، مستلهمين تجارب كبار الشعراء في العصور الزاهرة، وساعين إلى إعادة الشعر إلى المكانة التي شغلها في عصور القوة والازدهار. ولم يكن هذا التوجه مجرد حنين إلى الماضي أو استسلام لسلطته، بل كان محاولة واعية لاستثمار عناصر القوة الكامنة فيه من أجل خدمة قضايا الحاضر ومواجهة تحدياته(1).

غير أن عجلة التاريخ لا تتوقف، وأنهار الإبداع لا تعرف السكون، لذلك سرعان ما ظهرت أصوات جديدة رأت أن الشعر لا ينبغي أن يبقى أسير النماذج الموروثة مهما بلغت قيمتها، وأن التجديد الحق لا يتحقق بالمحاكاة وحدها، بل يقتضي الانطلاق من التجربة الذاتية والوعي الفردي. ومن هنا بزغ فجر الحركة الرومانسية، التي نقلت الشعر من عالم الصنعة إلى عالم التجربة، ومن فضاء التقليد إلى رحاب الإبداع، ومن سلطة الجماعة إلى مركزية الذات(2).

ومع الرومانسية تبدلت الرؤية إلى الشعر وتغيرت وظائفه؛ فلم يعد مجرد قول موزون مقفى، ولا مجرد محاكاة للنماذج القديمة، بل أصبح تعبيرًا عن الحياة الداخلية للشاعر، وصدى لمشاعره وأحلامه وآلامه. فغدت القصيدة مرآة للوجدان، ومجالًا للكشف عن خفايا النفس وأسرار الروح، وأداة للتأمل في قضايا الإنسان والكون والوجود(3).

وقد تكرس هذا الاتجاه الجديد من خلال جماعات أدبية كان لها أثر بالغ في تطوير الشعر العربي الحديث، وفي مقدمتها جماعة الديوان والرابطة القلمية وجماعة أبولو. ورغم اختلاف منطلقاتها الفكرية والجمالية، فإنها اجتمعت على رفض الجمود والدعوة إلى التحرر من القوالب الجامدة، وإعلاء قيمة الصدق الشعوري بوصفه جوهر التجربة الشعرية وروحها النابضة(4).

فجماعة الديوان، التي ضمت عبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني، دعت إلى شعر يقوم على التأمل والعمق النفسي، ويرتبط بالفكر كما يرتبط بالعاطفة. وقد رأى أعضاؤها أن الشعر الحقيقي هو الذي يعبر عن شخصية صاحبه ويكشف عن رؤيته الخاصة للحياة والإنسان، لا الذي يكتفي بتكرار المعاني الموروثة أو إعادة إنتاج الصور المستهلكة(4).

أما شعراء المهجر فقد فتحوا للشعر العربي آفاقًا جديدة، إذ ربطوا بين الذات والطبيعة، وبين الإنسان والكون، وبين الحرية والإبداع. فجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة لم يكتبوا عن الإنسان بوصفه فردًا معزولًا فحسب، بل بوصفه كائنًا يبحث عن المعنى وسط عالم متغير، ويسعى إلى الانسجام مع الوجود رغم ما يكتنفه من قلق واضطراب(5).

وجاءت جماعة أبولو لتمنح التجربة الرومانسية أبعادًا أكثر وجدانية وحلمية، فامتلأت قصائدها بصور الطبيعة الساحرة، وأحلام الحب العذري، ومشاعر الحنين والاغتراب. وقد احتفى شعراؤها بالمرأة بوصفها رمزًا للجمال، وبالطبيعة باعتبارها ملاذًا للروح، وبالحلم على أنه تعويض عن قسوة الواقع وضيق الحياة. لذلك اتسم شعرهم بالعاطفة الجياشة، والصور الشفافة، والموسيقى العذبة، والنبرة الحزينة التي تعكس شعور الإنسان بالغربة في عالم مضطرب(6).

ولم يقتصر التجديد الرومانسي على الموضوعات، بل امتد إلى اللغة والصورة والبناء الفني. فقد تحررت اللغة من كثير من مظاهر التكلف، واقتربت من لغة الحياة اليومية دون أن تفقد طاقتها الشعرية، كما تحولت الصورة من أداة للزينة اللفظية إلى وسيلة للكشف عن التجربة الداخلية للشاعر. وأصبحت القصيدة أكثر مرونة في بنائها، وأوسع قدرة على احتضان المشاعر والأفكار والرؤى الجديدة(7).

ومع ما حققته الرومانسية من مكاسب فنية وجمالية، فإنها لم تسلم من النقد؛ إذ رأى بعض الدارسين أن تركيزها المفرط على الذات أدى إلى تضييق أفق التجربة الشعرية، وأن انشغالها بالحزن والشكوى والاغتراب جعلها بعيدة أحيانًا عن قضايا المجتمع وتحولاته. كما أن محاولاتها التجديدية، على أهميتها، لم تنجح في إحداث قطيعة كاملة مع البناء التقليدي للقصيدة، الأمر الذي مهد الطريق لظهور حركات أكثر جرأة كالشعر الحر وشعر الحداثة.

وفي المغرب، لم تكن الحركة الشعرية بعيدة عن هذه التحولات، بل شاركت فيها وأسهمت في تطويرها وإغنائها. ومع نهاية القرن العشرين برزت تجارب شعرية جديدة حاولت تجاوز الأطر التقليدية وفتح آفاق مغايرة للكتابة. ومن أبرز هذه التجارب حركة الحواس الخمس التي تأسست بمدينة الدار البيضاء سنة 1984، وحركة الغارة الشعرية التي ظهرت بمدينة مراكش في مطلع التسعينيات(8).

وقد انطلقت حركة الحواس الخمس من رؤية ذات أبعاد صوفية وجمالية، جعلت من الشعر وسيلة للمعرفة والكشف، ومن الحواس منافذ لعبور العالم الظاهر نحو العوالم الباطنة. لذلك ارتبطت تجربتها بالرمز والإيحاء والتأمل، وسعت إلى جعل القصيدة فضاءً لاكتشاف الذات والوجود معًا(8).

أما الغارة الشعرية فقد اتخذت من التمرد منهجًا، ومن المغامرة الإبداعية سبيلًا، فرفضت القوالب الجاهزة والأنساق المغلقة، وسعت إلى تحرير اللغة من سلطتها الموروثة، وإلى إعادة بناء العلاقة بين الشاعر والعالم. وقد عبر شعراؤها عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الكبرى، وجعلوا من الكتابة فعل مقاومة للجمود والسكون

ورغم اختلاف الرؤى والمنطلقات، فقد التقت الحركتان في الدفاع عن حرية الإبداع، والإيمان بأن الشعر ليس مجرد صناعة لغوية، بل تجربة إنسانية عميقة تتجاوز حدود التعبير المباشر إلى آفاق الكشف والمعرفة. وبذلك أسهمتا في تجديد القصيدة المغربية المعاصرة، ووسعتا من إمكاناتها التعبيرية والجمالية، ورسختا حضورها داخل المشهد الثقافي العربي الحديث

………………………..

الهوامش

1 محمد الكتاني، الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث، ص 247 وما بعدها.

2  عبد السلام اسويحلي، بين يدي مقرر اللغة العربية، ط 1، فاس، شركة مطبعة أبي، ص 27 وما بعدها.

 

3  خالدة سعيد، حركية الإبداع، دار العودة، بيروت، ص 33.

4  محمد مصطفى هدارة، التجديد في شعر المهجر، دار الفكر العربي، مصر.

للاايمان الشباني، رواد من شروق،

5  أحمد المعداوي المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث، ط 1، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، ص 14 وما بعدها.

5  أحمد المعداوي المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث، ص 33.

6  أحمد بلحاج آية وارهام، الشعر العربي المعاصر في المغرب: رهاناته ومنطقة تلاقي أشكاله.

7  سعد سرحان، شهادات ومقالات حول تجربة الغارة الشعرية.

8  دراسات نقدية حول الشعر المغربي المعاصر والحركات الشعرية الجديدة بالمغرب.

👁️ عدد المشاهدات: 123

Leave a comment

error: Content is protected !!
en_USEnglish
Explore
Drag