في مساءٍ ثقافي يليق بالذاكرة حين تقرر أن تبقى حية، يحتفي جاليرى ضى بالتعاون مع مؤسسة محو الأمية البصرية بعيد ميلاد الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد، وذلك يوم 22 أبريل في تمام السادسة مساءً، في أمسية لا تبدو مجرد احتفال، بقدر ما هي استعادة لصوتٍ ظل يقاوم النسيان، ويعيد تعريف حضور الإنسان داخل اللغة.
ولا يأتي هذا الاحتفاء بوصفه مناسبة عابرة، بل كاعتراف بتجربة شعرية لم تكتب من برجٍ عاجي، بل من قلب الاشتباك مع الواقع.
فزين العابدين فؤاد، أحد أبرز أصوات العامية المصرية، لم ينحز يومًا إلى ما هو سائد بقدر ما انحاز إلى ما يراه صادقًا.
في دواوينه، من (وش مصر) إلى (قهوة الصبحية)، تتبدّى القصيدة كفعل مقاومة ناعم، لا يكتفي بوصف العالم، بل يسعى إلى إعادة صياغته، وكأن الكتابة عنده ليست ترفًا، بل محاولة دائمة لإبقاء المعنى حيًا في وجه التبدد.
في (قهوة الصبحية) تحديدًا، يقدّم الشاعر رؤية مغايرة لفكرة الفقد؛ لا يكتب مرثية، ولا يستدعي الحنين بوصفه بكاءً على ما مضى، بل يرفض فكرة الغياب من أساسها.
الشهداء، في نصوصه، لا يتحولون إلى صور مؤطرة، بل يظلون جزءًا من الحياة اليومية، كأنهم غيروا أماكنهم فقط.
يقول في أحد مقاطعه:
الشهدا بيشربوا الشاي
الشهدا بيخشوا البيوت
بيرجعوا م السفر
بيدخلوا في الصور
ويناموا في البرواز
هنا، لا يعود الموت نهاية، بل انتقالًا؛ وتصبح القصيدة مساحة لإعادة دمج الغائب في الحاضر، لا لفصله عنه.
“لا أريد أن نبكيهم… أريد أن يبقوا معنا” – هكذا يختصر الشاعر موقفه، في رؤية تُحول الذاكرة من حزنٍ ساكن إلى فعل حضورٍ دائم.
ومن هذا المنطلق، يطرح زين العابدين فؤاد تصورًا مختلفًا لدور الشاعر؛ فالفن، في نظره، لا يتبع “البوصلة” السائدة، بل يعيد ضبطها.
الشاعر لا يسير خلف ما يُروَّج، بل يخوض الصعب، ويقترح اتجاهًا آخر، حتى لو دفع ثمنه.
تجربة أكتوبر 1973 تظل شاهدًا على ذلك، حين كتب:
إتفجري يا مصر
إتفجري بالحرب ينفلق النهار
إتفجري بالحرب ضد الجوع والقهر
ضد التتار
وإتسلحي بالحرب للحرية
وإتفتحي وردة بدم ونار
إتجمعي من ألف صرخة وضحكة
والحرب لسة في أول السكة
لم تكن القصيدة آنذاك صدىً للحظة، بل قراءة أبعد منها، ترى أن المعركة لا تنتهي عند حدودها العسكرية، بل تمتد إلى ما بعدها: إلى الحرية، وإلى الإنسان نفسه.
وتكتسب هذه الأمسية بُعدًا إضافيًا مع حضور مؤسسة محو الأمية البصرية، التي تشتغل على بناء وعي قادر على قراءة الصورة في زمنٍ تتكاثر فيه المرئيات وتتسارع فيه المعاني.
فكما تحتاج القصيدة إلى قارئ يلتقط طبقاتها، تحتاج الصورة أيضًا إلى عينٍ مدرَّبة على التأويل.
من هنا، يتقاطع دور المؤسسة مع جوهر الإبداع؛ إذ لا يكتفي الفن بأن يُرى، بل يُفهم، ويُعاد النظر إليه من زوايا مختلفة، ليكشف ما وراءه من دلالات.
وتتضمن الاحتفالية ندوة مفتوحة يُلقي خلالها الشاعر نماذج من أشعاره، ويستعيد محطات من مسيرته الممتدة، في حوار يقترب من جوهر التجربة، لا من سطحها.
ويدير اللقاء الشاعر/ محمد حربي،
وسط حضور نخبة من رموز الثقافة في مصر والوطن العربي، وأجيال مختلفة جاءت لتلتقي عند معنى واحد: أن الكلمة، حين تكون صادقة، لا تموت.
بهذا المعنى، لا يبدو الاحتفال مجرد عيد ميلاد، بل لحظة تأمل في معنى أن يظل الشاعر وفيًّا لصوته، وأن تظل القصيدة قادرة على أن تُبقي الغائب حاضرًا… وأن تمنحنا، ولو قليلًا، شجاعة ألا ننسى.
………………….
👁️ عدد المشاهدات: 126
