الأماكن لا تموت، لكنها تعيد صياغة أسئلتها. من جدران بيت السناري في السيدة زينب، تنبت حكايات قديمة لكن بلغة اليوم؛ تقاطع هادئ بين الذاكرة والخيال، والتراث والتقنيات البصرية الحديثة. هناك.. حيث التاريخ تأتي “أصداء مكانية” لا لتستعرض التكنولوجيا وإنما لتقديم قراءة معاصرة تفتح بابًا مختلفًا لفهم المكان وأثره على أرواحنا.

العرض، الذي أقيم في الثاني من يونيو 2026، هو نتاج أعمال طلاب الفرقة الثالثة بقسم الزخرفة بكلية الفنون التطبيقية – جامعة حلوان، ضمن مقرر «التصميم الفراغي» تحت إشراف الدكتورة ياسمين جامع والمهندسة هدير دهب، وبالتعاون مع بيت السناري ومبادرة «مكاننا». لكنه، في جوهره، يتجاوز كونه مشروعًا دراسيًا أو عرضًا بصريًا عابرًا؛ إذ يمثل محاولة لاكتشاف طبقات جديدة من العلاقة بين الإنسان والمكان، وإعادة تقديم التراث عبر لغة تنتمي إلى الحاضر.
من قاعة الدرس إلى فضاء المدينة

توضح الدكتورة ياسمين جامع أن فكرة المشروع لم تولد دفعة واحدة، ولم تبدأ بوصفها حدثًا فنيًا متكاملًا، بل انطلقت قبل سنوات كتجربة تعليمية داخل قاعات الدراسة. كان الهدف آنذاك تعريف الطلاب بإمكانات الفنون البصرية المعاصرة، وتشجيعهم على استكشاف تقنيات الوسائط المتعددة والـ Projection Mapping بوصفها أدوات للتعبير الفني وإعادة تشكيل الفراغ.
ومع مرور الوقت، بدأت التجربة تتطور تدريجيًا. لم يعد الأمر مجرد تمرين أكاديمي على استخدام التكنولوجيا، بل أصبح بحثًا في كيفية تحويل المكان إلى عنصر مشارك في العمل الفني نفسه. فالجدران والنوافذ والتفاصيل المعمارية لم تعد خلفية محايدة للعرض، وإنما جزءًا من السرد البصري والحكاية المطروحة أمام المتلقي.
وتشير جامع إلى أن التحديات التقنية التي واجهت الطلاب في بدايات المشروع، سواء فيما يتعلق بالإضاءة أو توافق الصورة مع الأسطح المعمارية أو دمج الصوت بالحركة، تحولت إلى فرص للتعلم واكتساب الخبرة. ومن خلال العمل الجماعي والتجريب المستمر، بدأ الطلاب يطورون أدواتهم الخاصة ويكتشفون إمكانات جديدة للتعبير.

غير أن التحول الحقيقي جاء عندما انتقلت التجربة من أسوار الجامعة إلى بيت السناري، لتواجه جمهورًا حقيقيًا ومكانًا حقيقيًا يحمل تاريخًا وذاكرة وسياقًا ثقافيًا غنيًا.
بيت السناري.. المكان بوصفه بطلًا للحكاية
لم يكن اختيار بيت السناري مصادفة. فهذا البيت الذي شيده إبراهيم كتخدا السناري في أواخر القرن الثامن عشر، لا يمثل مجرد مبنى أثري محفوظ، بل يحمل داخله طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والذاكرة الشعبية.
بالنسبة للطلاب، لم يكن المطلوب تقديم عرض بصري فوق جدران أثرية، بل محاولة الإنصات إلى ما يقوله المكان نفسه. لذلك بدأت الرحلة بزيارات ميدانية متكررة، ودراسة لتاريخ البيت وسيرة صاحبه، والتعرف إلى الوظائف المختلفة التي كانت تؤديها غرفه وأفنيته، فضلًا عن تأمل البيئة المحيطة به داخل حي السيدة زينب بما يحمله من خصوصية اجتماعية وثقافية.
ومن خلال هذه الزيارات، أخذت الأفكار تتشكل تدريجيًا. بعض الطلاب انجذب إلى سيرة إبراهيم كتخدا السناري ورحلته من السودان إلى مصر، وما تحمله من تحولات إنسانية واجتماعية. آخرون وجدوا في العمارة نفسها مادة للحكي، بينما استلهمت مجموعات أخرى أعمالها من ذاكرة السيدة زينب الشعبية وما يرتبط بها من حكايات وطقوس ومشاهد يومية.
حين تصبح الجدران جزءًا من العمل الفني
من بين الفرق المشاركة، جاءت مجموعة «العرافة» برؤية تقوم على استثمار التفاصيل المعمارية للبيت بوصفها عناصر فاعلة داخل السرد البصري.
وتقول الطالبة سما سامح سلامة إن الفريق بدأ بدراسة المكان وتاريخه دراسة دقيقة، ثم انتقل إلى مرحلة العصف الذهني بحثًا عن فكرة تنبع من روح البيت نفسه. إلا أن التحدي الأكبر لم يكن في جمع المعلومات، بل في تحويلها إلى لغة بصرية قادرة على مخاطبة الجمهور.
وتوضح أن الجدار لم يكن مجرد سطح تُعرض عليه الصور، بل أصبح جزءًا من الحكاية ذاتها؛ فكل نافذة وخط معماري وتفصيلة إنشائية تحولت إلى عنصر داخل العمل الفني، بما فرض على الفريق التفكير باستمرار في العلاقة بين المحتوى البصري وطبيعة المكان.
أما الطالبة هاجر مصطفى سعد، فتشير إلى أن التجربة بدأت بالتعرف إلى البيت وقصة بنائه وسكانه، ثم انتقلت إلى مرحلة تخيل الأشخاص والحيوات التي مرت بالمكان عبر الزمن. ومن هنا أخذ كل طالب يبحث عن الزاوية التي لامسته شخصيًا؛ فمنهم من انشغل بتاريخ البيت نفسه، ومنهم من جذبه ارتباط المكان بالحي المحيط، ومنهم من رأى في رحلة السناري مدخلًا إنسانيًا للحكي.
وتضيف أن مرحلة التنفيذ مرت بسلسلة طويلة من التجارب والاختبارات، بدءًا من اختيار المساحات المناسبة للعرض، ومرورًا بإعداد الرسوم والـStoryboards، وصولًا إلى تحريك العناصر البصرية وضبطها بما يتوافق مع خصائص المكان المعماري.
حكايات تُروى بالضوء

أما فريق «حجيتكم ما بجيتكم – كان يا مكان»، فقد اختار أن يجعل من الحكاية نفسها محورًا للمشروع.
يقول أعضاء الفريق مريم ممدوح محمد – ريم ايمن رجب – مارولا نشأت نعيم – نسرين محمد زكريا
إن الاسم جاء من رغبتهم في استعادة القصص المرتبطة ببيت السناري، وتحويلها إلى تجربة بصرية تستخدم أدوات معاصرة في سرد وقائع تنتمي إلى زمن بعيد. ومن أجل ذلك، قاموا بدراسة البيت والبيئة المحيطة به، وتتبع التحولات التي شهدها عبر التاريخ، ثم شرعوا في البحث عن العناصر البصرية القادرة على تجسيد هذه الحكايات.
وبعد مراحل من البحث والتجريب، بدأ الفريق في استثمار الفتحات المعمارية والأسطح المختلفة داخل البيت، محاولًا تحويلها إلى مساحات للسرد. ومع الوقت تحولت الرسوم الأولية إلى أفلام ورسوم متحركة وتجارب بصرية متكاملة تسعى إلى تقديم تاريخ المكان بطريقة أكثر حيوية وتفاعلية.
السرد الضوئي بوصفه لغة جديدة
وترى الطالبة هاجر حمدي عبد العليم أن ما يميز التجربة هو اعتمادها على ما يمكن تسميته «السرد الضوئي»، حيث لا تُقدَّم المعلومات التاريخية في شكل محاضرة أو نص مكتوب، بل تتحول إلى صور متحركة ومؤثرات بصرية وصوتية تسمح للمشاهد بأن يعيش الحكاية بدل أن يكتفي بسماعها.
وتوضح أن رحلة العمل دفعت الطلاب إلى البحث في تفاصيل دقيقة تتعلق بتاريخ البيت ورحلة السناري وتطور المكان عبر الزمن، كما دفعتهم إلى تجاوز الحلول البصرية السهلة والبحث عن طرق أكثر قدرة على جذب الجمهور وإثارة فضوله.
وتضيف أن من أكثر ما منحها شعورًا بالإنجاز رؤية بعض الأعمال التي شاركت في تصميمها، ومنها معالجة شخصية السناري والملصق النهائي للمشروع، وقد أصبحت جزءًا من المخرجات النهائية للعرض.
«مكاننا» وإعادة اكتشاف العلاقة بالمكان
من جانبها، ترى المهندسة المعمارية هدير دهب، المديرة التنفيذية لمؤسسة «مكاننا» والمشاركة في تطوير المشروع، أن أهمية «أصداء مكانية» لا تكمن فقط في كونه عرضًا بصريًا، بل في الأسئلة التي يطرحها حول علاقتنا بالأماكن التي نعيش فيها.
وتوضح أن أحد المحاور الأساسية التي تعمل عليها «مكاننا» منذ تأسيسها يتمثل في البحث عن وسائل جديدة لفهم المكان من خلال العمارة والعمران والفنون والحكايات. ومن هذا المنطلق جاء التعاون مع الدكتورة ياسمين جامع، بهدف نقل التجربة التعليمية من حدود الحرم الجامعي إلى فضاء ثقافي حي يسمح للطلاب بالتفاعل المباشر مع الناس والمكان.

وتؤكد أن بيت السناري لم يكن مجرد موقع لاستضافة العرض النهائي، بل تحول طوال شهور العمل إلى معمل مفتوح للتعلم والتجريب. فمن خلال الزيارات الميدانية والبحث والمناقشات المستمرة، بدأ الطلاب يطرحون أسئلتهم الخاصة: أي قصة يمكن أن تُروى عن هذا المكان؟ وكيف يمكن ترجمة هذه القصة إلى تجربة بصرية؟ وما الذي يجعلها مرتبطة ببيت السناري تحديدًا؟
قراءات متعددة للمكان الواحد
ومن أكثر ما لفت انتباه هدير دهب تنوع القراءات التي خرج بها الطلاب. فبينما ركزت بعض المجموعات على رحلة إبراهيم كتخدا السناري، انشغلت مجموعات أخرى بالتحولات المعمارية للبيت أو بذاكرة حي السيدة زينب الشعبية، فيما اختارت فرق أخرى التوقف أمام عناصر معمارية محددة وتحويلها إلى مدخل للحكي.
هذا التنوع، في رأيها، يعكس حقيقة مهمة مفادها أن التراث ليس رواية واحدة جاهزة، بل مساحة مفتوحة للتأويل وإعادة الاكتشاف. فكل جيل يقترب من المكان بأسئلته الخاصة، ويعيد إنتاج معناه من منظور مختلف.
وتضيف أن الطلاب لم يكتفوا بفهم الحكايات المرتبطة بالمكان، بل أعادوا صياغتها بلغتهم الخاصة من خلال التحريك وتصميم الشخصيات والموسيقى والتعليق الصوتي وتوظيف العناصر المعمارية داخل العرض، ليصبح الناتج النهائي حوارًا بين الماضي والحاضر، وبين التاريخ والتكنولوجيا.
تجربة مفتوحة على المستقبل
يمثل «أصداء مكانية» واحدًا من أوائل المشاريع الطلابية التي توظف تقنيات الـ Projection Mapping داخل بيت السناري بهذا الشكل التفاعلي المفتوح للجمهور. لكنه في الوقت نفسه يطرح إمكانية تطوير هذا النموذج في مواقع تراثية وثقافية أخرى، بحيث تتحول الفنون البصرية إلى وسيلة لإعادة اكتشاف الأماكن وإحياء الذاكرة المرتبطة بها.
وربما تكمن قيمة التجربة الحقيقية في أنها لا تنظر إلى التراث بوصفه مادة جامدة تُنقل كما هي، بل باعتباره معرفة حية قابلة لإعادة القراءة وإعادة السرد. فكل مكان يحمل حكايات لا تنتهي، وكل جيل يجد طريقته الخاصة في روايتها.
وفي «أصداء مكانية» لا تُروى هذه الحكايات بالكلمات وحدها، بل بالضوء والصورة والحركة؛ حيث تتحول جدران بيت السناري إلى شاشة واسعة للذاكرة، ويتحول المكان نفسه إلى راوٍ يشارك في سرد حكايته من جديد.
…………………………….
👁️ عدد المشاهدات: 95
