ديوان «خدش في ذاكرة العالم» لم يأتي ليحكي، بل ليترك أثرًا.
فهو ليس مجموعة نصوص، بل مسارًا داخليًا يتقدم ببطء داخل الذاكرة، كما لو أن القصيدة نفسها تخشى أن توقظ ما دفنته الأيام على عجل.
تكتب أمل الجندي من منطقة لا تبحث عن النجاة بقدر ما تبحث عن الصدق؛ صدق المواجهة مع العالم حين يفقد ملامحه، ومع الذات حين تصبح ساحة مفتوحة للخسارات الصغيرة المتراكمة.
العالم في هذا الديوان لا يُرى من الخارج، بل يُعاش من الداخل(ذاكرة مثقوبة، مشاهد ناقصة، وأصوات لا تكتمل).
كل نص يبدو كأنه محاولة لترميم صورة، سرعان ما تنكسر تحت وطأة الوعي بأن الترميم ذاته قد يكون شكلًا آخر من أشكال الوهم.
هنا، لا تُقدَّم الذاكرة بوصفها أرشيفًا للماضي، بل ككائن حي ينزف، يخطئ، ويعيد اختراع ألمه في كل مرة.
تتحرك القصائد بين الحب والفقد، لا باعتبارهما نقيضين، بل كوجهين لجرح واحد.
الحب هنا ليس خلاصًا، بل اختبارًا قاسيًا للهشاشة الإنسانية؛ علاقة تتآكل تحت ثقل التوقعات، وحنين يتحول إلى عبء، وذاكرة تُصر على الاحتفاظ بما يؤلم أكثر مما يطمئن.
أما الفقد، فلا يُكتب بوصفه نهاية، بل كحالة مستمرة من الغياب المقيم، غياب يتخذ أشكالًا متعددة (شخص، وطن، معنى، أو حتى نسخة قديمة من الذات).
قصيدة النثر في هذا الديوان تمارس حريتها بلا ادعاء.
اللغة لا تسعى إلى الزخرفة، بل إلى الكشف؛ جمل مشحونة، صور حادة، وانزياحات تقطع الإيقاع التقليدي لتترك القارئ في حالة توتر دائم.
ثمة إحساس بأن كل كلمة كُتبت وهي تعرف أنها قد تكون الأخيرة، أو أنها على الأقل غير قابلة للتراجع.
لا خطاب مباشر، ولا شعارات، بل أسئلة تتكاثر كلما حاول النص أن يهدأ.
الجسد حاضر بوصفه ذاكرة بديلة، وملاذًا أخيرًا للألم.
جسد يتلقى الصدمات، يحتفظ بأثرها، ويعيد سردها بلغة أكثر صدقًا من اللغة العقلية.
ومن خلال هذا الحضور، يتحول الخاص إلى كوني؛ التجربة الفردية تتسع لتلامس وجعًا جماعيًا، كأن الشاعرة تكتب ذاتها وهي تعلم أن العالم كله يشاركها هذا الخدش الخفي.
«خدش في ذاكرة العالم» ديوان لا يمنح القارئ طمأنينة، لكنه يمنحه ما هو أصدق:
شعورًا بأن ما يثقله ليس وهمًا، وأن الألم حين يُكتب بجرأة، يتحول من عبء صامت إلى معنى قابل للمواجهة.
هو كتاب لمن يعرف أن بعض الخدوش لا تُشفى، لكنها تظل دليلًا على أننا مررنا من هنا، وشعرنا، وتركنا أثرًا… ولو كان موجعًا.
…………………….
👁️ عدد المشاهدات: 92
