Skip links

(العين التي ترى الهامش… وتكتبه) – قراءة في المجموعة القصصية (ما يشبه الظل) للكاتب/ حسام المقدم – بقلم الكاتبة/ هناء متولي

في مجموعته القصصية ما يشبه الظل، والصادرة عن بيت الحكمة للثقافة، لا يقدّم المبدع حسام المقدم مجرد سرد تقليدي عن بشر يعبرون الحياة، بل يُعيد تشكيل تلك الحياة من داخل أكثر لحظاتها هشاشة، صمتًا، وغموضًا. ما بين تأملٍ داخلي رصين، ونبض لغوي متقشف، تنشأ عوالم القصص كما تنشأ الظلال: تتبع الضوء، لكنها لا تتماهى معه.

الهشاشة كبنية روحية

تبدو معظم شخصيات المجموعة وكأنها على تخوم الوجود: أرواح قلقة، لا تصرخ بل تهمس، لا تعيش في قلب الأحداث بل على هوامشها. لا تسعى القصص خلف الدراما، بل خلف أثرها المتبقي: رعشة الندم، صمت الخوف، أو لحظة عابرة من التوق لم يُكتمل.

“تشكيل طيني يشبه حبّة القمح”: قصة عن بداية التكوين

من القصص اللافتة في المجموعة، تأتي “تشكيل طيني يشبه حبّة القمح” كقطعة سردية بالغة الاقتصاد، لكنها مشحونة بإيحاءات رمزية عميقة. يروي طفل لحظة أولى من التقاطع بين البراءة والفضول الجنسي، عندما يصنع بيديه تشكيلًا طينيًا يُشبه “حبّة القمح” — أو لنقل، كما يلمّح النص، الأنوثة في تجلّيها الغامض والمبهم لطفل لم يُكوّن بعد وعيه بالجسد.

القصة لا تقع في فخ الإثارة أو الرمزية الثقيلة، بل تتحرك بدقة على الحافة: الفعل الطفولي، التجريب بالحواس، المراقبة الصامتة، وأخيرًا التماهي مع البقرة كرمز للسكينة والنفور في آن. الطين هنا هو رمز التكوين، والاختباء، والرغبة المكبوتة، والانجذاب الذي لم يجد اسمه بعد.

بهذه القصة، يُجيد المقدم تقديم مثال ساطع على فلسفته السردية: أن اللحظات الصغيرة تحمل تحتها طبقات كثيفة من المعنى، لو أُتيح لها أن تُروى في صمت.

بين الشجرة والعظام: الوعي كظل

في قصص أخرى مثل “الشجرة”، “أوقات العظام”، و”صوت أبيض”، يتابع الكاتب تتبّعه للمساحات الرمادية بين الواقع واللاواقع، بين الجسد والروح، بين المادي والميتافيزيقي. نقرأ عن شجرة تظهر فجأة، عن يدٍ بيضاء تخرج من العدم، وعن صوتٍ لا نعرف مصدره. في كل مرة، لا يقدّم المقدم تفسيرًا، بل يُوسّع المجال للقراءة التأملية.

اللغة: كتابة بيدين مرتجفتين

اللغة عند حسام المقدم تشبه خيط الدخان: واضحة لكنها مراوغة، بسيطة لكنها مشبعة بالإيحاء. لا يعتمد على الزينة البلاغية، بل على الصمت المحيط بالكلمات. هذا الأسلوب يمنح القصص كثافة داخلية تجعل من كل نص أقرب إلى تجربة شعورية عميقة، لا مجرد حكاية تُروى.

ما يشبه الظل ليست مجموعة للقراءة السريعة أو المتعة اللحظية. إنها كتاب للإنصات. للنظر في العين الخفية التي ترى الأشياء من الزوايا التي نتفاداها عادة. حسام المقدم يكتب من الهامش، عن الهامش، بلغةٍ تجعل الظل بطلًا، والخوف من الرؤية… فضيلة.

مجموعة لمن يبحث عن الأدب كرحلة تأمل، لا كخريطة مكتملة.

…………………………….

👁️ عدد المشاهدات: 13

Leave a comment

arArabic
Explore
Drag