إبداعات عربية –
صدر مؤخرًا عن دار الظاهرية في الكويت كتاب “حكايات ناقد ساخر – طرائف ولطائف”، وهو عمل يمشي فوق الحدّ الفاصل بين الضحك والوعي مثل لاعب سيرك يعرف جيدًا أن المزحة قد تكون أخطر من الحقيقة نفسها. ينتمي الكتاب إلى أدب كوميديا الموقف الساخرة، ذلك الفن الذي يجعل القارئ يبتسم بينما تتسلل إليه ملاحظات نقدية لاذعة، تُصاغ في هيئة نكات خفيفة لكنها تخفي وراءها أسئلة أعمق مما يبدو.

يقدّم الكاتب ثلاثين حكاية قصيرة، لكل واحدة منها مزاجها الخاص ولمعتها الساخرة، لكنه يُراهن طوال الوقت على سخرية الموقف لا على الفكرة المباشرة، ليجعل القارئ في حالة يقظة لذيذة؛ يضحك نصف ضحكة، ثم يتوقف قليلًا لأنه شعر بأن وراء المزحة ما يستحق التفكّر. فالضحك هنا ليس غاية، بل بوابة يدخل منها النقد الأدبي والاجتماعي والفلسفي دون ضجيج.
ويمنح الكتاب مساحة واسعة لتأمل واقع النقد الأدبي العربي اليوم؛ فيكشف عبر طرائفه ما يدور خلف الكواليس، وما يعيشه الناقد والكاتب والقارئ من تناقضات وهواجس ومفارقات لا يكشفها خطاب النقد التقليدي. هكذا تتحوّل السخرية إلى مرآة حادة الحواف، تعكس المشهد الثقافي بلا تجميل، لكنها تفعل ذلك بخفة ومرح يجعلان الحقيقة أقل قسوة.
إن هذا العمل يقدم نموذجًا طازجًا لكيف يمكن للكوميديا أن تكون أداة نقد، وكيف يمكن للسخرية أن تُعيد للقارئ حسه الأول بالدهشة، من دون أن تُقصي متعة القراءة أو تخفف من جدية الفكرة. إنه كتاب يضيف إلى المكتبة العربية صوتًا مختلفًا: صوتًا يعرف أن الطريق إلى الوعي قد يبدأ بابتسامة، وأن الأدب، حين يختلط بالسخرية الذكية، يصبح قادرًا على قول ما تعجز عنه المقالات الجادة والخطابات الصارمة.
…………………….
👁️ عدد المشاهدات: 37
