في مساء يشبه انفتاح نافذة على زمن أقدم من الذاكرة، وتحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور/ سلطان بن محمد القاسمي، ذلك الحارس النبيل لحدائق الشعر والثقافة العربية، انطلقت الدورة العاشرة من مهرجان الأقصر للشعر العربي.

تعاونت الشارقة ووزارة الثقافة المصرية ومحافظة الأقصر ليولد هذا المساء على مسرح مركز المؤتمرات، وقد وقف الحضور يستمعون إلى السلامين الوطنيين كمن يُنصت إلى بداية نشيد طويل سيُقال على مدى أيام المهرجان.

كان الشاعر حسين القباحي أول من صعد إلى المنصة؛ بدا كمن يفتح بوابة من الكلمات، متحدثًا عن بيت الشعر بالأقصر الذي صار، بمرور الوقت، مساحة رحبة تشبه شرفة تُطل على احتمالات الموهبة. تحدّث بثقة من يعرف أن الشعر ما يزال قادرًا على شقّ نهر داخل صخرة، وأن الأصوات الجديدة هي النسغ الذي يجدد الشجرة كل عام.

ثم جاء صوت سعادة عبدالله العويس، رئيس دائرة الثقافة بالشارقة، هادئًا وعميقًا، كأنه يتكئ على جذور بعيدة.
تحدث عن رؤية الشارقة التي آمنت بالشعر كفنّ لا يموت، وباللغة كبيت نعود إليه كلما تفرّقنا في الأزمنة.
كانت كلمته جسراً يربط الأقصر بالشارقة، والماضي بالحاضر، مؤكداً أن احتضان الشعر ليس رعاية فنية فحسب، بل انتماءٌ روحيٌ لمعنى الإنسان، وأن مبادرات الشارقة ليست سوى امتداد طويل لإرادةٍ تُصرّ على أن يظل الحرف العربي مشتعلاً لا يخبو.

وكانت كلمة الدكتور خالد أبو الليل نيابة عن وزير الثقافة المصري امتدادًا لهذا المعنى؛ تحدّث عن حضور الشعر في المجتمع كحضور نبضٍ قديم في الجسد، لا يمكن الاستغناء عنه، وعن الشراكات التي تعيد للثقافة قدرتها على العبور من ضفة إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، ومن قلب إلى آخر.

ثم أطلّ المهندس عبدالمطلب عمارة محافظ الأقصر، مرحبًا بضيوف المدينة التي تعلّم العالم معنى أن يعيش المرء وسط ألف عام من الجمال. تحدث عن الإبداع كقيمة تبني الإنسان من الداخل، وترفعه فوق اللحظة، مؤكدًا أن الأقصر لا تستقبل الشعراء فحسب، بل تستقبل معها ظلّ الحضارة الذي لا يزال واقفًا في معابدها.

وكان حضور الأستاذ محمد إبراهيم القصير، مدير إدارة الشؤون الثقافية بدائرة الثقافة بالشارقة، لحظة موازية في طاقتها.
رجل اعتاد العمل في صمتٍ مضيء، يحمل في رؤيته اقتناعًا بأن الثقافة ليست مشاريع تنتهي، بل مسارات تبدأ. تحدّث مع المثقفين على هامش الحفل بروح من يعرف أن الشعر لا يحتاج إلى جدران كي يعيش؛ يكفيه أن يجد آذانًا تصغي وقلوبًا تتّسع.
وجوده في المهرجان بدا كخيط آخر يشدّ هذا النسيج العربي الممتد بين المدن والأجيال.

ثم جاء تكريم الأستاذ الدكتور محمد أبو الفضل بدران، وكأنه فصلٌ يستعيد فيه المهرجان فضله على الذين حملوا شعلة الثقافة لسنوات. اختياره شخصية العام الثقافية بدا مستحقًا، كتحية لمسيرة ظلّت تضيء أكثر مما تتكلم.
وفي الأمسية الشعرية الأولى، التي أدارها الشاعر حسن عامر، بدا جمهور الأقصر كأنه يتنفس مع كل قصيدة.
شارك الشعراء: أحمد الديب، أحمد رمضان، حازم مصطفى، وروضة شاهين، وبدت القصائد تتعاقب مثل موجاتٍ تتلامس عند شاطئ واحد.
لم يكن الختام ختامًا فعليًا، بل وعدًا بصوت الشاعر حسين القباحي الذي شكر الحضور والداعمين، وأكد أن بيت الشعر سيمتد كما تمتد الأشجار التي تعرف طريق الضوء، وأن الإبداع سيظل يجد في الأقصر مكانًا يشبه بيتًا أول.
………………………
👁️ عدد المشاهدات: 74
