Skip links

(المواطنة… الإنسان حين يتذكر أصله الواحد) – الكاتبة/ شروق مجدي .. مصر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: «يا أيّها الناس اتّقوا ربَّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ، وخلق منها زوجها، وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً» (النساء: 1).

بهذه الحقيقة يبدأ كل شيء: نحن – مهما بدونا متباعدين – خرجنا من نفس واحدة، ومن طين واحد، يحمل داخله استعداد الخير واستعداد الشرّ كما قال تعالى: « فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها» (الشمس: 7–10).

هذه الإنسانية المشتركة لا تلغي اختلافنا… لكنها تؤسّس لمعناه.

فنحن نتباين في الثقافة والعادات والميول وأشكال التفكير، لأن ظروف النشأة ليست واحدة: بيئة، وأسرة، وتعليم، وتجارب. لكن هذا التباين ليس لعنة؛ بل هو شرط للحياة، وميزان للعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض: «وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان» (الرحمن: 9).

فالناس — كما قال الحكماء — «سواسية كأسنان المشط»، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح. العدل هو القيمة العليا التي يُفترض أن يتربى عليها الإنسان منذ نعومة أظفاره؛ أن ينصر المظلوم، ويقف مع الحق حتى لو كان وحده.

العدالة عبر التاريخ… ميزان واحد بأشكال مختلفة

إذا عدنا إلى تاريخ مصر القديمة — حيث صاغ المصريون الأوائل فكرة العدل قبل آلاف السنين — نجد مشهدًا بالغ الرمزية:

الميت يقف أمام اثنين وأربعين قاضيًا، يُسأل عن أعماله الصالحة التي قام بها، وعن الشرور التي امتنع عنها. وفي قلب المشهد “ريشة ماعت”، رمز الحقيقة والعدالة، توضع في إحدى كفتي الميزان، بينما توضع أعماله في الكفة الأخرى.

كان الطفل المصري يتعلم منذ صغره أن الخطأ يُحاسَب، وأن الصواب يُثاب، بلا نظر إلى طبقة أو شكل أو أصل.

ومصر، عبر عصورها، كانت دائمًا أمة تسعى للوحدة:

وحد نارمر القطرين، وبعده بقرون جاء إخناتون بمحاولة لتوحيد الإله. وعلى مر العصور، ظل المصريون نسيجًا واحدًا رغم اختلاف معتقداتهم وأصولهم.

وفي الكتاب المقدس تأتي العبارة القاسية العادلة: «مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي» (العبرانيين 10: 31).

أما الإسلام فقد ترجم هذه الفكرة إلى واقع يومي: آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأطفأ نار العداء بين الأوس والخزرج، ليؤكد أن رابطة الإنسان بأخيه الإنسان تتجاوز الأصل والعرق والجغرافيا.

المواطنة… وطنٌ يصنعه أهله قبل أن تصنعه الخرائط

المواطنة ليست كلمة تُلقَى في احتفال، ولا شعارًا يتكرر في المناسبات.

إنها مسؤولية، وولاء، ووعي بأن الوطن لا يُحفظ بالأمن فقط، بل بالمحبة، والانتماء، واحترام الأرض والناس.

فكل مواطن له حقوق، لكن عليه أيضًا واجبات:

أن يحمي وطنه، أن يصون وحدته، أن يدافع عن كرامته واستقلاله.

والوطن — أي وطن — لا يستقيم إذا لم يشعر كل فرد بأنه جزء منه، وأنه مسؤول عنه كما هو مسؤول عن بيته.

هنا تأتي الأسرة باعتبارها المنبت الأول للمواطنة. ليست مجرد «لبنة» كما يُقال عادة، بل هي التربة التي تُنبت إنسانًا يعرف معنى الإنصاف، والاحترام، وتقبّل الآخر.

فالطفل الذي يُربَّى على التحيز، أو على احتقار المختلف، أو على تبرير الخطأ لأنه «من أهل بلده»، يكبر وهو يحمل بذور التعصب.

كيف نغرس المواطنة في طفل؟

  • نعلّمه تقبّل الخسارة كما يتقبّل الفوز.
  • نرسّخ فيه الروح الرياضية، فلا يرى في نجاح غيره تهديدًا له.
  • نعرّفه معنى المشاركة، وأن الفوز الحقيقي هو المشاركة لا النتيجة.
  • نربيه على أن يمدّ يده لمساعدة الآخرين بلا انتظار مقابل.
  • نعلّمه مواجهة التنمر والتمييز بثقة وشجاعة.
  • نكون نحن قدوته؛ فالأطفال لا يحفظون الكلمات، بل يراقبون السلوك.

هذه بداية الطريق، وتأتي المدرسة والإعلام لتكمّل الدور.

التعليم والإعلام… جناحان لترسيخ قيمة الوطن

الدراسات التي تناولت طلاب المرحلة الثانوية تشير إلى تراجع المشاركة في الأنشطة المدرسية بسبب ضغط الامتحانات والسعي للمجموع.

لكن المدرسة ليست درجات فقط؛ بل فضاء ينمو فيه الفكر والروح، ومختبر لتجربة الانتماء، وممارسة المواطنة، والحوار، والعمل الجماعي.

يجب أن تعود الأنشطة المدرسية بقوة:

مسرح، موسيقى، صحف مدرسية، ندوات، ورش تفكير…

فتح هذه المساحات يعطي الطالب إحساسًا بأنه “مالك” المدرسة لا “ضيفًا” عليها.

أما الإعلام، فمسؤوليته أخطر:

عليه ألا يكون صانعًا للمخاوف أو موزعًا للشائعات، بل مساحة للتنوير، والوعي، ومحاربة الكراهية.

وعلى الأسرة أن تُعلّم أبناءها ألّا يصدقوا كل ما يُنشر على مواقع التواصل، وأن يدركوا أن خلف كثير من الضجيج الإلكتروني أيادي تريد إضعاف الوطن.

نحتاج إلى إعلام يسهم في خلق جيل يدرك أن الاتحاد قوة، وأن النزاع — مهما بدا صغيرًا — يفتح الباب للخراب.

في النهاية… ما المواطنة؟

ليست المواطنة مجرد انتماء جغرافي، ولا بطاقة هوية.

هي شرف حماية حرية وطن، وحرية شعبه.

هي احترام حق الآخرين في الرأي، والفكر، والعقيدة.

هي الوعي بأن اختلاف الناس ثراء لا تهديد، وأن المحبة الإنسانية أساس العيش المشترك.

المواطنة — في جوهرها — هي أن تكون إنسانًا قبل أن تكون أي شيء آخر.

…………………….

👁️ عدد المشاهدات: 239

Leave a comment

en_USEnglish
Explore
Drag