Skip links

(​الشعر محاولة دائمة للإصغاء إلى ما تقوله الروح) – حوار مع الشاعرة المغربية/ منى وفيق – حاورها الكاتب/ حسن غريب أحمد .. مصر

مقدمة:

تظل الكتابة الشعرية إحدى أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً وثراءً، فهي مساحة للتأمل العميق في الذات والعالم. وفي هذا السياق، تبرز تجربة الشاعرة منى وفيق بوصفها تجربة تنحاز إلى حساسية لغوية خاصة، تبحث عن المعنى في مناطق الصمت والذاكرة.

في هذا الحوار، نحاول الاقتراب من عالمها الإبداعي ورؤيتها للمشهد الثقافي.

  • كيف بدأت علاقتك الأولى بالكتابة، وما اللحظة التي شعرتِ فيها أن الأدب أصبح جزءاً من هويتك؟

كنتُ ألعب مع ابنة الجيران في منزلها،عندما أثارت قريبتها اهتمامي،كانت أربعينية أشبهَ بِشبحٍ قديم مهمل،استغراقُها في الكتابة حرض فضولي، تكتب وتتنهد.

بِترددٍ بالغ،تطوي الورقة ثم تعيد فتحها.

كأنها في مفاوضات طويلة مع نفسها و تخشى التوصل إلى اتفاق نهائي.

بعد أن انتهت من الكتابة

وطوت الورقة وخبأتْها في درج خزانة مقابلة،غافلتُ صديقتي وسرقتُ الورقة

وتحججت بالتعب للعودة إلى بيتي.

كان قلبي يدقّ بسرعة لِخوفي مما سأقرأه.

كانت رسالةً مِن مومس إلى جسدها “الكلب”كما أسمَتْه، تخاطبه بحنان و توسل،ثم باستعلاء واحتقار.قرأت الرسالة مراراً.

وفي الليل جلست أكتب في الهواء بأصبعي ردودا متقطعة على تلك الرسالة.

كنت أشعر أن الأحرف ضخمة وثقيلة على الرغم من خفّتها في الهواء،وقررت كتابة رد على صاحبة الرسالة.في سنّ الرابعة عشرة إذن، كتبت أوّل نصّ مع أنني كثيرا ما كتبتُ إلى نفسي.

على اعتبار المحادثات التي كانت  تجمعني بي عديدة ، طوال حياتي كتبتُ أكثر ممّا تنفست.

دائما كنتُ أركبُ نفسَ الحروف الضخمة والثقيلة وأتأرجح عليها.

بعد سنوات، تكون رسالةٌ جديدةٌ السبب في أن أكتب للمرة الثانية.

مراسلاتي مع حبيب سابق وهو كاتب قصص، جَعَلتْهُ يشجعني على الكتابة.

وهكذا انطلقتُ مع شهوة التدمير وإغراء إعادة البناء لأكتب.

لأعيش وأكون ضدّ النسيان.

أتذكّر سعادتي عندما نُشر لي أوّل نصّ في مجلة الصدى الإماراتية،وأوّلُ مجموعة قصصية”نعناع،شمع وموت”بمصر.

لَكم أفتقد ما يسميه الغير ب”السذاجة الأدبية الأولى”تلك السذاجة،كانت صدقاً استثنائيا.

كل كاتب يَفتقد البراءة اللذان كتب بها أول نص.

كتابي الثاني كان شعريا، ديواني”فانيليا سمراء” بالأردن،اعتُبر من الكتب العشرة المسيئة للإسلام.

تعرض لهجوم شديد من عقليات الرقابة الممتدة على طول خارطة العالم العربي.

تم منعه ومصادرته بِتهمة  ازدراء الأديان والإساءة إلى الرموز الدينية والذات الإلهية ،تم تكفيري وأخذي إلى المحكمة مع ناشري”إلياس فركوح”.

وكم ساءني أن تصبح «فانيليا سمراء» دليلا على المنع أكثر منه على الإبداع رغم أن الكثيرين تضامنوا معي وقتها،وجعلوني أعرف أن للكاتب قبيلتَه وجيشَه.

متخطيةً حواجز الانتماء للمؤسسات، مكتفية بالانتماء إلى نصوصي وما تفتحه لي من آفاق على عالم الإبداع

ودنيا النشر، أصدرتُ كتابي الثالث:المجموعة القصصية”لُعب دوت كوم” بمصر.

شهرزاد كانت تحكي كي لا تموت وكانت تكسب الوقت حتى تفوز بأشياء أخرى غير حياتها.

حياتها التي كانت تخال أنها في يد شهريار.

 لستُ شهرزاد،أميل إلى أن أكون “مسرور” وأقطع لشهرزاد عنقها،عنق حكاياتها اللطيفة.

استمرت رحلة التجريب والمغامرة،جاء إصداري الرابع”نيون أحمر”بلبنان.ديوانٌ تَلمس بثقة و إصرار موطئاً وبصمة مؤثرة ومستقبلية في خريطة الشعر المتغيرة دوماً.

كثيرا ما كان يغمرني اللاجدوى وأفيض،ابتعدتُ لسنوات عن الكتابة.

لكن الكلمات اللعينة كانت تملأ رأسي كمتفجرات إذا ما تفجرتْ إحداها ستلحق بها البقيّة.

هو دمل كان يستطيع الانفجار ولا يريد.

لكنه انفجر في كتابي الخامس الصادر بمصر “حافة حادة لنصف صحن مكسور”.

أصدرتُ كتابي السادس،ديوان”عدالة شعرية بالعراق،وأنا منقطعة إلى خياطة جروح مَن يتخيلون أنفسهم وحيدين،خياطتها بجروحى لتنتهى جميعُها إلى غابة خضراء شاسعة.

أكتب لأكون قادرة على الاستمتاع بنفسي لا غير.

ولما يحين الوقت لتفريغ ما خزنته كالقات من حياة صاخبة لم تستطع الهدوء، سأطفو وسيغرق كل واحد في حوضه ليس حوض الأسماك أعني وإنما حوض المطبخ.    

بعد كل هذه الكتابات،الترجمات،الجوائز،

المهرجانات الأدبية، النمائم،الحروب ومحاولات تكسير التجربة من الخارج،بعد تعنيف معنويّ ولغويّ ، نجاحات وانتشار واحتفاء

وتكفير،لديّ ما لديّ من أحلام في الشعروالمسرح والسينما

والرواية،جديدٌ قيد الكتابة ،مشاريع إصدارات،نصوص تمسح غيرها لأبقى.

وهكذا التجربة تسير والحياة أيضاً.

  • هل جاءت الكتابة لديك بوصفها خياراً واعياً، أم أنها كانت استجابة لنداء داخلي لا يمكن تجاهله؟

لم تكن الكتابة لديّ خيارًا واعيًا بالمعنى التقليدي، بل كانت استجابة لنداء داخلي لا يمكن تجاهله.

لقد بدأت تتشكل في داخلي منذ الطفولة، قبل أن أكتب أول نص، حين كنت أعيش كمن يرى العالم عبر لغة غير مرئية، كنت أرسم في الهواء حروفا وأنفخ عليها ,وأطيرها كفقاعات من الفانيليا ـ أتمسك بها وأحلق معها قبل أن أفقأها وأسقط لأعاود اللعبة مرارا

وتكرارا ..وحين بدأت عملية الكتابة فعلًا، لم تأتِ كتخطيط أو قرار، بل كأمر مفاجئ

وحتمي في آن، وكأن دمي نفسه صار محمّلًا باللغة. عندها أدركت أن الكتابة ليست اختيارًا بقدر ما هي مصير وشكل من أشكال التنفس و ربما الهرب أو المواجهة..

لكن مع الوقت، أصبح هذا الاندفاع الداخلي وعيًا أيضًا.

اخترت أن أظل وفية له، أن أعيش له، وأن أتحمل تبعاته،

ونعم ،دفعت  الثمن غاليا سواء اجتماعيًا أو شخصيًا.

لهذا، يمكنني القول إن الكتابة بدأت كنداء لا يُقاوم، ثم تحولت إلى التزام وجودي واعٍ

صحيح..

لم تأتِ الكتابة إليّ كخيار، بل كاقتحام.

لم أجلس يومًا إلى نفسي لأقول: سأكون كاتبة.

كنت فقط أُصاب باللغة، أنا مقيمة في اللغة بالأساس.

كانت اللغة تنمو في داخلي بصمت ومكر، منذ الطفولة، كعضوٍ إضافي، كنبضٍ ثالث،

وحين ظهرتْ، لم تكن بداية، بل انكشافًا.

كأن دمي انفتح، وخرجت منه الكلمات.

كأنني لم أتعلم الكتابة، بل تذكّرتها.

الكتابة ليست فعلًا أقوم به،بل حالةٌ تصيبني ،تستعملني، تعجنني، تمضغني،ثم تتركني ألهث، كنصف حيّة، و كنصف نص.

وبعد وقت غير هين من الكتابات و الإصدارات

والاحتفاءات والجوائز والحروب ، حاولت أن أبتعد عن الكتابة لأكتشف أنها لعنة أصابتني مع أول حرف كتبته بقلم بيك أسود في سن الرابعة عشرة،لعنةٌ لم أستطع الفكاك منها وربما هي تلك “ال “لم أرد”في قلب”لم أستطع.

ما النص أو التجربة الإبداعية التي شعرتِ أنها تمثل صوتك الحقيقي لأول مرة؟

لا أعتقد أن هناك نصًا واحدًا كشف “صوتي الحقيقي” دفعة واحدة.

كتابتي ليست ظهورًا مفاجئًا، بل تراكم احتراقات،صعود بطيء نحو صوتٍ أتعرف عليه دون أن أستطيع تثبيته.

لكن إذا كان لا بد من تسمية تجربة حاسمة،

فهي”من أنثى شامبانزي إلى داروين”.

بدأت كتابة ديواني “من أنثى شامبانزي إلى داروين”منذ أكثر من 10  سنوات”  نصوص صادمة لمن لا يستطيع أن يفهم من يرى بالمقلوب.

سيرة شعرية ذاتية عريضة.

وبعد أكثر من عشر سنوات  لازلت  أكتب وأحذف،أضيف نصوصا وألغي أخرى.

مكنتني أغلب هذه النصوص من غربلة عقلي،قلبي وعلاقاتي الإنسانية وبسبب هذا الديوان المرتقب انتهتْ علاقة عاطفية مشتعلة  كادت تنتهي بالزواج.

اخترتُ الشعر طبعاً.

لم يكن فقط اختبارا حقيقيا لشعري بل لإنسانيتي ولإتساقي مع ذاتي ولقدرتي على التعافي.

أعترف بأنني في لحظة وقفت لأفكر طويلا  في قدرتي

وطاقتي على دفع الثمن

ومواجهة العالم بعد أن يصدر الديوان.

لن أنكر أنني فكرت في إصدار”مِن أنثى شامبانزي إلى داروين” بالإنجليزية فقط حتى أتفادى الصدامات

والإساءات وابتعاد من أحبهم .كنت محتارة وعالقة إلى أن اقتُرحت علي فكرة تحويل نصوصي الشعرية إلى عروض شعرية على المسرح .

عرض ستاند أب شعري قدمتُه في اسكتلندا و فرنسا وسويسرا والمغرب الخ..كان الرهان أن أضحك على آلامي قبل أن أجعل الآخرين يضحكون عليها .

لكنني في كل عرض شعري كنت أبحث بين عيون الجمهور عمن لا يقول لي “برافو”ولا”وا”،عمن لا يقهقه”بل عمن يصمت

ويضغط على قلبه بقوة

ويطلب مني أن أصمت.

لا زلتُ أعمل على النصوص متأملة أن أجد فسحة ومكانا هادئا أكمل فيه تشذيب تلك القصائد وإنهائها ليصدر العمل بالعربية قبل أي لغة أخرى.

ولآخذه بعروض الستاند اب الشعري إلى مناطق أبعد وأجرأ.

عند كتابة ” من أنثى شامبانزي إلى دراوين”: خرج النص من كونه مساحة حميمة،ليتحول إلى منطقة مواجهة:

أصبحت مكشوفة، مُخترَقة، ومنخرطة بالكامل فيما أفعله.

ليس لأن هذا الديوان “أصدق” من غيره،بل لأنه مخاطرة تكاد تكون ضدّ الذات وضدّ العالم.

ولأنني وأنا أكتب قصائد الديوان لم أكن أحاول “العثور” على صوتي،

بل أكتفي بتتبّعه،حتى حين يقودني إلى أماكن لا أرغب في كشفها.

  • إلى أي مدى يمكن أن تكون الكتابة محاولة لفهم الذات قبل فهم العالم؟

بالنسبة لي، لا تأتي الكتابة لفهم العالم أولًا،بل تبدأ دائمًا كمحاولة لفهم هذا الكائن الغامض الذي أحمله: أنا التي تعيش بكل تناقضاتها.

أنا لا أكتب من الخارج،لا أراقب العالم لأفسّره،بل أغوص في الداخل، في تلك المنطقة الملتبسة بين الجسد والذاكرة،بين الألم والرغبة، بين ما يُقال وما يرفض أن يُقال.

الكتابة عندي ليست تأملًا هادئًا،بل تشريح.

أدخل بها إلى نفسي كما يدخل الجرّاح إلى جرحٍ مفتوح،أبحث، ألمس، أضغط، أُعيد فتح ما ظننتُ أنه التأم.

كل ما يتراكم داخلي — كخُرّاج، كألم، كفائض حياة —لا أستطيع التخلّص منه إلا بالكتابة.

هي ليست وسيلة للفهم فقط،بل وسيلة للتطهير، للتخلص وربما التعلق أيضا،

وللنجاة، للبقاء حيّة.

وكلما اقتربتُ من فهم نفسي،أجدني أقترب فقط ولا أفهمني تماما، و أقترب و ألامس بعمق كبير دون قصد، الآخرين أيضًا.

لأن ما أكتبه، رغم شدّة خصوصيته،ينفتح فجأة على ما هو أبعد و أوسع،ما يشبه الإنسان في هشاشته، في تناقضه، في احتراقه.

لهذا، لا أفصل بين فهم الذات وفهم العالم.

أنا أبدأ من نفسي، نعم،

لكنني حين أكتبها بصدق كافٍ،أجد أن العالم كله يتسرّب من خلالها  / ينفجر منها / يخرج منها / يتولّد منها — كأن الذات مصدر، لا مجرد ممر.

  • عندما تكتبين، هل تنطلقين من فكرة محددة ؟

أم من صورة شعرية تتشكل تدريجياً في المخيلة؟

حين أكتب، لا أنطلق من فكرة جاهزة،الفكرة بالنسبة لي تأتي متأخرة،كأنها تبرير لما حدث.

ما يبدأ فعلًا هو شيء أكثر غموضًا:صورة، إحساس، توتر خفيف في الجسد والروح

والدماغ،

تفصيلة صغيرة — رائحة، حركة، نظرة —تبدأ بالالتصاق بي دون أن تشرح نفسها.

لا أجلس لأفكّر،بل لأُصاب.

الصورة تكبر ببطء،تتشكل كما لو أنها تعرف طريقها وحدها،وأنا أتبعها، وفي نفس الوقت وباحتيالٍ أقودها.

أحيانًا أكتب دون أن أفهم،وأترك للغة أن ترتّب فوضاي،أن تصنع المعنى بدلًا مني.

لا أكتب انطلاقًا من فكرة،بل من حالة.

حالة تهاجمني،تفرض إيقاعها،وتحوّلني، لوقتٍ قصير،

إلى مختبر تُكتب فيها معادلات تجريبية لأنني أجرب في روحي وجسدي وعقلي لأكتب و لألامس مناطق غريبة وبعيدة في روحي.

  • نصوصك تتحرك أحياناً بين الشعر والسرد، كيف ترين العلاقة بين هذين الفضاءين؟

الشعر، من جهته، لا يعيش منعزلاً؛ هو يحتاج إلى السرد ليأخذ الأرض تحت قدميه، ليعرف كيف ينمو، كيف يتنفس، كيف يلمس القارئ.

لكل منهما حرية التحرك، لكنهما يلتقيان في المكان الذي أكون فيه أنا:

أنا أعيشهما في وقت واحد، أتنقل بينهما بلا حدود، أترك الشعر يلتهم السرد أحيانًا، وأترك السرد يلتف حول الشعر أحيانًا أخرى.

كل نص هو جسد واحد، وروحي تتحرك داخله، تتنفس، تتوحد، وتنفصل في إيقاع لا يراه سوى القارئ الذي يجرؤ على الدخول.

الشعر والسرد ليسا مجرد تقنيات أو أشكال، بل هما امتداد لوجودي، جسدان وروح واحدة تتنفس من داخلي.

أترك النص يتشكل من ذاته، أراقب الصور والصوت والفضاء الداخلي وهي تتجمع وتتكثف لتخلق تجربة واحدة، حيث يتداخل الشعر مع السرد، ويتقاطع الماضي مع الحاضر، والذات مع العالم.

في كل نص، الشعر والسرد ليسا منفصلين: هما مجرد بوابة لدخول عالمي الداخلي، حيث أعيش حياتي كاملة، أتنفسها، وأعيد تشكيلها في كل مرة، بلا حدود، بلا قيود، حتى يصبح النص كائناً حيّاً يخرج مني ويستمر بالتحرك بعدي.

الشعر والسرد ليسا اختيارات بل حياة تتدفق مني.

أبدأ بلحظة أو صورة، ثم تنفجر الكلمات، تتداخل النبضات، وتصبح الموسيقى والحدث جسدًا واحدًا.

السرد يفتح الطريق، والشعر يضخ الروح، ومعًا يخلقان نصًا حيًا، يتنفس ويستمر بعدي، بلا قيود، بلا توقف، بلا هوية ثابتة—أنا أعيش فيه قبل أن أكتبه، وهو يعيش بي بعد أن ترقن أصابعي الكلمة الأخيرة على صفحة الوورد.

  • هل تعتقدين أن الأدب المعاصر تجاوز بالفعل الحدود التقليدية بين الأجناس الأدبية؟

الأدب المعاصر ليس مجرد تجاوز للحدود، بل هو اندفاع نحو الحرية المطلقة للنص. القصيدة والسرد، المسرح والموسيقى، وحتى الصورة والصوت، كلها تتشابك داخله كأجسام متداخلة، ولا أحد يعرف أين ينتهي أحدها ويبدأ الآخر.

النصوص اليوم تتشكل كما يتشكل النفس: متغيرة، مزدوجة، متسعة، تتنقل بين العوالم بلا إذن، بلا قوالب، بلا قيود.

كل جنس أدبي أصبح مجرد أداة، والطبيعة الحقيقية للأدب هي اندفاعة صافية نحو الحياة نفسها.

  • ما الدور الذي تلعبه المخيلة في بناء نصك الشعري؟

المخيلة عندي ليست مجرد فضاء للخيال، بل هي جسم ينبض في داخلي، وعالم كامل يتسرّب من كل خلية فيه. هي التي تصنع النص من داخلي، تضغط على دموعي وفرحي.

النص لا يبدأ بفكرة، بل بصورة تتشكل وتتلوّن تدريجيًا في الهواء، على أصابعي، في وجوه من أحب، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي أستعيدها وأعيد تشكيلها. المخيلة تجعل حواسي مشتعلة، وتحول كل تجربة، كل شعور، وكل ألم إلى مادة خام للنص.

هي صانعة النص،المخيلة تجعل كل نص حيًا، يتنفس ويخترق الحدود، فتصبح الكتابة تجربة وجودية، تجربة للذات قبل العالم.

  • هل تنطلق نصوصك غالباً من تجربة شخصية أم من تأملات أوسع في الحياة والوجود؟

نصوصي تولد من حياتي، من كل لحظة شعرت فيها بالحب، بالألم، بالدهشة أو بالغضب. لكنها ليست مجرد يوميات؛ إنها شظايا تتكسّر داخل ذاتي قبل أن تتجمع لتكوّن بؤبؤًا واحدًا هائلًا يرى العالم كله ويبتلعه.

كل إحساسٍ داخلي يتسرب خارجًا، يتقاطع مع حياة الآخرين، مع صرخات العالم، مع صمت الكون، فيصبح النص مزيجًا مني ومن كل ما حولي.

أكتب لأعيش، ولأرى العالم من خلال ذراتي الصغيرة، ثم لأعيد تركيب هذه الذرات في نصوص تتنفس، تتحرك، وتكشف عن العمق الإنساني الذي نشاركه جميعًا.

كل لحظة أعيشها تتحوّل إلى حجر يُلقى في بحيرة الكون، فتتشابك الدوائر وتتسع بلا نهاية.

أكتب لأفهم نفسي، نعم، لكن أيضًا لأرى العالم كله يتسرب من خلالها، كأن النص جسدي الممتد خارج جسدي، وروحي الممتدة خارج روحي. حيث يلتقي الداخلي بالكوني في انفجار واحد من الشعر والوجود، لحظة تتصاعد فيها الكلمات، وتنهمر الأحاسيس، ويصبح كل شيء—الحب، الألم، الدهشة، الغضب—نصًّا حيًّا يتنفس في العالم.

  • ​ ما القضايا أو الأسئلة الوجودية التي تشغلك في الكتابة؟

القضايا التي تشغلني هي ضوء وغبار الوجود ذاته، هواء يتسرب من جسدي إلى العالم، وقلبي الذي يحاول أن يلتقي بالكون.

هي قضية التقاء القصي في بالقصي فيهم ، وهي كيف تتحرك اللحظات الصغيرة في مجرى الحياة لتصبح انفجارًا شعوريًا هائلًا.

كل نص أكتبه هو جسد داخلي يلتف على ذاته قبل أن ينشقّ، يتسرب إلى الخارج، يتقاطع شعوري مع صرخات الكون وصمت الحياة، ليصبح نصًا ينبض، يتحرك، ويستوعب كل شيء: مِن أصغر شعور داخلي إلى صدى العالم بأسره. الكتابة ليست بحثًا عن إجابات، بل انفجار مستمر، رحلة بين الحب والخوف والدهشة والألم، لحظة تتفتّح فيها التجربة إلى نص يتنفس، يلتقط كل الشظايا الداخلية ويحوّلها إلى جسد شعري يتجاوزني، ممتدًا إلى كل ما حولي، مكشوفًا، عاريًا، وغير محدود.

  • ​ ما علاقتك بالصمت أثناء الكتابة؟ وهل ترين أن الصمت شرط لولادة النص؟

الصمت في الكتابة ليس فراغًا، بل حضورٌ مركزٌ يفتح لي أبواب العالم من الداخل. هو لحظة انسحاب، لكن ليس للغياب، بل للتأمل، للتمكين من سماع النفس.

كل حرف يولد من هذا الصمت، من تنفس داخلي يتقاطع مع نبض العالم.

ليس شرطًا صارمًا، لكنه حليف.

الصمت بالنسبة لي أرض خصبة، مساحة تنسج فيها الأفكار والمشاعر في هدوءٍ مطلق.

هناك، في هذا الصمت، يتشكل النص ببطء، يتخمر داخليًّا قبل أن يخرج إلى العالم، عارياً ومكشوفاً، كأنه يمتد من روحي إلى كل ما حولي.

الصمت هو الوعاء الذي يسمح للنص أن يلتقط ارتعاشات الداخل والكون معًا

  • هل تؤمنين بأن القلق الوجودي يمكن أن يكون وقوداً للكتابة؟

نعم، القلق الوجودي ليس مجرد ظل يرافقني، بل هو الدافع والطاقة تآنيا.

كل شك، وكل توتر أمام العالم وأمام نفسي يتحوّل إلى ارتعاش يعبر النص ويدفعني إليه ويدفعه إلي.

القلق لا يخنقني، بل يغذّي الكتابة.

أنا في حالة قلق دائم ..فعلا و دون مبالغة!

القلق ليس عائقًا، بل مصدر الضوء الذي يفتح النص على الكون .

كل لحظة قلق هي انفجار داخلي يتحوّل إلى نبض شعري، وأنا مدينة له، لأنه يجعل كتابتي حية، شفافة، ومتّصلة بالعالم بأقصى قوة ممكنة.

  • ​ كيف تتخيلين القارئ أثناء الكتابة؟

وهل تحضر صورته في ذهنك؟

عند عملية الكتابة،لا أتخيل قارئًا محددًا، بل حضورًا عائمًا. و أحيانا ، لا أفكر بالقارئ من الأساس.

ولعل هذا القارئ  في حالة مغايرة يكون هو في الوقت نفسه أنا، والعالم، وما يفلت مني.

ليس وجهًا ثابتًا،أبداً !!

بل صدى لمشاعري، ومستقبِلٌ لاهتزازات النص. عندما أكتب، أشعر بهذا النفس الخفي الذي يمر عبر الكلمات لكنني لا أركز فيه، وكما لو أن كل جملة مشدودة نحو هذا الوعي الضبابي، المستعدّ للاستقبال والتفاعل وربما للتجاوز أيضا.

وفي أحيان أخرى، أشعر أن هذا القارئ الغامض ليس خارج النص، بل جزء منه، جزء من أنفاسي

وارتباكاتي و يقيني وشكوكي

وصعودي ونزولي مِن مصعد

حالات نفسيّة متقلبة بين لحظات اليقين والشك، بين رغبة الانطلاق والخوف من السقوط.

كل طابق منه يمثل طبقة من تجربتي الداخلية: أحياناً أكون في الأعلى، متوهجة بالاندفاع والإلهام، وأحياناً في الأسفل، غارقة في التأمل والخوف، وبينهما تحرك مستمر، كما لو أن النص نفسه هو المصعد الذي يحملني والقارئ معاً عبر موجات داخلية وجدانية لا متناهية، إلى فضاء مطلق حيث يصبح الشعر سرداً للحركة الداخلية، والتقاطع بين الذات والوجود.

كل كلمة أكتبها تتردد داخل القارئ، وتعكس ضوءًا خافتًا من روحي وتجعل النص يتحرك ككائن حيّ، يتنفس بين الداخلي و الخارجي، حيث يتلاقى ما أكونه مع ما يمكن أن يكونه الآخر، في فضاء من الانفتاح والدهشة و التوجس.

  • هل تكتبين بحرية كاملة بعيداً عن فكرة التلقي، أم أن القارئ يظل حاضراً بشكل ما؟

أكتب بحرية مطلقة، دون أن أفكر في القارئ أثناء الكتابة. في تلك اللحظة، لا يوجد سوى علاقتي بالنص، بإحساسي، بأفكاري

وبشطحات مخيلتي

وباشتباكي  الملتبس مع الكون والكائنات والمخلوقات وأيضا بما يتشكل داخلي قبل أن يصبح نصا كاملا في نقصانه.

أنا لا أكتب لأُستقبل كما يُتوقع أو يُتأمل، بل لأكون صادقة مع ما يمرّ فيَّ سواء كان كثيرا للتقزز أو الإعجاب.

القارئ لا يحضر في البداية، لا كوجه ولا كصوت، بل يأتي لاحقًا، ربما حين أعود إلى النص كغريبة عنه قليلًا، كأنني أقرأه مِن الخارج .

هناك فقط يمكن أن يظهر، لا كغاية، بل كاحتمال.

إخلاصي لما أكتب، لتجربتي الداخلية وتجريبي المستمر

والنزق والمجنون كما يصفه الآخرون، هو ما يجعل النص قادرًا على أن يلتقي بالآخر. أنا لا أفكر في القارئ، لكنني أثق أن الصدق يفتح له طريقه داخل النص، دون أن أستدعيه أو أكتب من أجله.

  • ​ متى تشعرين أن النص قد اكتمل وأنه أصبح قادراً على الوقوف بذاته؟

يكتمل النص بالنسبة لي حين أعود إليه بعد قراءات متكررة، فلا أتعرف عليه تمامًا كما كتبته أول مرة، بل يبدأ شعور خفيف بالغرابة في التسلل إليّ، كأنني أراه من الخارج، أو أرى نفسي داخله من مسافة.

في تلك اللحظة، لا يعود النص امتدادًا مباشرًا لي، بل يصبح مساحة ألتقي فيها بنسخة أخرى مني، أقل يقينًا وأكثر انفتاحًا.

وحين أصل إلى هذا الحد، حيث لا أعود مندمجة فيه كليًا ولا منفصلة عنه تمامًا، أدرك أنه بلغ نوعًا من الاكتمال.

وأحيانًا، يحدث ذلك أيضًا حين أكتب نصًا جديدًا بروح مغايرة، كأن النص السابق قد استنفد صوته داخلي وترك مكانه لصوت آخر.

هناك فقط أفهم أنه انتهى… لا لأنه أغلق، بل لأنه فتح طريقًا لما بعده.

  • ​ ما علاقتك بالقراءة، ومن هم الكتّاب أو الشعراء الذين أثروا في تجربتك الأدبية؟

علاقتي بالقراءة ليست منتظمة ولا غزيرة كما قد يُتوقّع، ربما لأنني مشغولة أكثر بالإنصات إلى لغتي الخاصة، إلى ذلك الصوت الذي أحاول أن أعرّفه وأحميه من التكرار.

أقرأ قليلًا، لكنني حين أقرأ، أبحث عن النصوص التي لا تُضيف لي فقط، بل تُربك شيئًا في داخلي أو تكشفه.

لديّ ما يمكن أن أسميه “قبيلتي الشعرية”، أحبّ كتّابًا وشعراء كثيرين، لكن نادرًا ما أشعر أن أحدًا منهم “أثّر” فيّ بالمعنى المباشر.

ربما أحبّ بعضهم حدّ الغيرة، مثل فرناندو بيسوا، أو أجد نفسي في اليوميات الشعرية لبعض الشاعرات الأميركيات المعاصرات من مواليد التسعينيات، كأنهن يكتبن من نفس الشقّ الخفي الذي أكتب منه.

أما الكتب التي تركت أثرًا حقيقيًا فيّ فهي قليلة، لكنها عميقة حدّ أنها ما تزال تحتفظ بحرارتها في داخلي.

أستطيع، حتى اليوم، أن أشمّ روائحها كما لو أنني أقرأها الآن: العجوز والبحر لـ إرنست همنغواي، الجميلات النائمات لـ ياسوناري كاواباتا، مائة عام من العزلة لـ غابرييل غارسيا ماركيز، شيطنات الطفلة الخبيثة لـ ماريو فارغاس يوسا، والدفتر الكبير لـ أغوتا كريستوف.

هذه النصوص لم تمرّ بي مرورًا عابرًا؛ ربّتت على روحي أحيانًا، وأحرقتها أحيانًا أخرى، وحرّكت جراحًا و آلاما، حتى أنها بلغت فيّ حدّ اللذة المؤلمة.

لكن تأثيري لا يأتي فقط من الكتب، بل من الشخوص أيضًا.

كوازيمودو مثلًا، ليس مجرد شخصية، بل رغبة قديمة في أن أعانقه، أن أختبئ في حدبته.

وهناك شخصيات واقعية أو هامشية، مثل محمد زويتة القاتل المغربي المتسلسل الذي رافقني كصوت خفي لأشهر، كنت أتحدث إليه قبل النوم، كأنه صديقي الوحيد في تلك العتمة.

حتى الفنّانون يدخلون في هذه القبيلة الحميمة: ويتني هيوستن كزهرة سوداء كان ينقصها القليل لتنجو، وآيمي واينهاوس التي أشعر أنها تسكنني كشظايا زجاج دقيقة تحت الجلد.

وأحيانًا، يتجاوز الأمر كل هذا: يصبح التأثير رائحة، أو مشهدًا، أو حتى قطعة ملابس قديمة.

قد يكون جينزًا تركته طفل في خزانة ملابسي، ثم عدت إليه بعد سنوات  فوجدته أجمل في ذبوله وتفتح لونه

وارتخاء قماشه، كأن الزمن نفسه يكتب عليه نصًا آخر.

في النهاية، لا أستطيع أن أحصر ما أثّر فيّ في أسماء فقط.

إنهم كثيرون: كتب، أشخاص، رسوم متحركة، حيوانات، لحظات، وهواجس و ذكريات مثلاً.

الماضي بالنسبة لي أكثر اتساعًا وصدقًا؛ أعود إليه كمن يعود إلى أرض تعرفه، أرض تربّت عليه دون أن تطلب شيئًا في المقابل.

  • ​ كيف تنظرين إلى حضور الأدب المغربي في المشهد الثقافي العربي اليوم؟

أنظر إلى حضور الأدب المغربي في المشهد الثقافي العربي كحضورٍ متحرّك، لا يثبت على شكل واحد ولا يسعى إلى ذلك.

هو أدب يعيش في منطقة عبور، بين لغات متعددة، وحساسيات متباينة، وذاكرة مركّبة، وهذا ما يمنحه فرادته كما يضعه أحيانًا في موقع الالتباس.

من وحي تجربتي، لا أراه أدبًا يسعى إلى التموقع بقدر ما هو منشغل بتعريف صوته الخاص، تمامًا كما أفعل أنا في الكتابة: البحث عن لغة لا تُشبه أحدًا بالكامل، ولا تنتمي بشكل نهائي إلى مركز واحد. هذا ما يجعل حضوره لافتا و مغايرا في الواجهة العربية، وهو في العمق غنيّ ومشحون بتجارب جريئة، خاصة على مستوى الكتابة الجديدة التي تتجاوز الحدود التقليدية بين الأجناس واللغات.

الأدب المغربي لا يتكلم بصوت واحد، وهذه قوته. هو تعدّد حيّ، فيه العربية، والفرنسية، والأمازيغية، وفيه أيضًا ذلك التوتر الخلّاق بين المحلي والكوني.

وربما هذا ما يجعله أقل قابلية للاختزال أو التصنيف، لكنه في المقابل أكثر قدرة على الابتكار والانفلات.

بالنسبة لي، أهم ما فيه اليوم هو تلك المحاولات الفردية الصادقة، التي لا تكتب لتُمثّل “الأدب المغربي”، بل لتكون نفسها أولًا.

هناك، في هذه المساحات الشخصية والهامشية أحيانًا، يتشكّل حضور حقيقي، هادئ لكنه عميق،.

  • كيف ترين المشهد الشعري العربي الراهن في ظل التحولات الكبرى؟

أرى المشهد الشعري العربي اليوم كفضاءٍ في حالة تحوّل دائم، ليس فقط على مستوى الشكل، بل على مستوى الحساسية نفسها.

لم يعد الشعر يكتفي بأن يكون صوتًا جماليًا أو خطابًا مكتملًا، بل صار أقرب إلى كائنٍ هشّ، متشظٍ، يحمل ارتباك العالم بدل أن يفسّره.

في ظل التحولات الكبرى—السياسية، والرقمية، والوجودية—لم يعد الشاعر يقف خارج العاصفة، بل يكتب من داخلها.

لهذا تبدو النصوص اليوم أقل يقينًا، أكثر توترًا، وأكثر اقترابًا من اليومي والهشّ والعابر، دون أن تفقد قدرتها على ملامسة ما هو عميق.

ما يلفتني هو هذا الانفلات من القوالب: لم يعد هناك شكل واحد يُحتذى، ولا لغة واحدة مهيمنة.

الشعر يتحرك بين السردي والبصري واليومي، يقترب من الجسد، من التفاصيل الصغيرة، من الأصوات المهمّشة.

وكأن القصيدة لم تعد تبحث عن “الكمال”، بل عن صدقٍ ما، حتى لو جاء ذلك الصدق متكسّرًا أو ناقصًا.

لكن في المقابل، هناك وفرة قد تربك: نصوص كثيرة، أصوات كثيرة، وأحيانًا تكرار سريع داخل هذا الانفتاح نفسه.

وهنا يصبح التحدي ليس في الكتابة فقط، بل في القدرة على خلق صوت حقيقي، لا يذوب في الضجيج.

بالنسبة لي، الشعر اليوم لا يعيش أزمة، بل يعيش تحوّله الطبيعي.

إنه يخلع جلده باستمرار، يغامر، ويتعثر أحيانًا، لكنه يظل يبحث عن تلك اللحظة النادرة التي يلتقي فيها الداخلي بالكوني.

وحتى السرد العربي هو الآخر  يعيش تحوّلًا موازياً، لكنه مختلف في نبرته.

إذا كان الشعر يميل إلى التكثيف والتشظّي، فإن السرد يبدو كأنه يوسّع الشقوق، يدخل فيها، ويقيم داخلها.

لم يعد السرد يطمح فقط إلى الحكي أو بناء عوالم مكتملة، بل صار يشتغل على الكسر، على التقطيع، على زعزعة فكرة الحكاية نفسها.

أرى أن الرواية والقصة اليوم تتحرّكان نحو مناطق أكثر هشاشة وجرأة: هناك اقتراب واضح من اليومي، من السيرة الذاتية، من الاعتراف، لكن دون أن يكون ذلك دائمًا مباشرًا.

كأن السرد لم يعد يخفي ذاته وراء الشخصيات، بل يسمح لها بأن تتسرّب، أن تتداخل، أن تتكشّف.

في الوقت نفسه، هناك تحرّر من البُنى التقليدية: الزمن لم يعد خطيًا، والشخصيات لم تعد مستقرة، واللغة نفسها لم تعد مجرد أداة، بل صارت فضاءً للتجريب.

نقرأ نصوصًا تمزج بين السرد والشعر، بين التوثيق والخيال، بين الحميمي والكوني—وهذا يخلق أشكالًا هجينة، أحيانًا مربكة، لكنها حيّة.

لكن كما في الشعر، هناك أيضًا وفرة تطرح سؤالًا صعبًا: كيف يمكن للنص أن يحتفظ بفرادته داخل هذا الانفتاح؟ كيف لا يتحوّل هذا التحرر نفسه إلى شكل جديد من التكرار؟

بالنسبة لي، السرد اليوم لا يبحث عن “حكاية” بقدر ما يبحث عن طريقة جديدة لسردها، أو حتى لتفكيكها. إنه لم يعد فقط مساحة لتمثيل العالم، بل أداة لاختباره، لخلخلته، وربما لإعادة اختراعه.

لهذا، كما الشعر، السرد لا يعيش أزمة، بل يعيش انتقالًا: من اليقين إلى الاحتمال، من البناء إلى التفكك، ومن الحكاية إلى أثرها.

  • ​ ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المجلات الثقافية المتخصصة في دعم الأدب الجاد؟

أرى أن المجلات الثقافية المتخصصة يمكن أن تكون أكثر من مجرد منصّات نشر؛ يمكن أن تتحوّل إلى فضاءات دقيقة لالتقاط ما لا يُرى في الضجيج العام.

الأدب الجاد لا يحتاج فقط إلى منبر، بل إلى عينٍ تقرأه ببطء، وتمنحه سياقًا، وتضعه في حوار مع نصوص أخرى دون أن تذوّبه.

دورها الحقيقي، بالنسبة لي، هو حماية الهشّ: النصوص التي لا تسعى إلى الإرضاء السريع، ولا تنتمي إلى موجة عابرة، ولا تكتب بلغة جاهزة. هذه النصوص تحتاج إلى وقت، إلى تحرير واعٍ، إلى مصاحبة لا تُفسدها.

المجلة هنا تصبح نوعًا من “الوعاء” الذي يسمح للنص أن ينمو دون أن يُختزل.

كما يمكنها أن تخلق نوعًا من الذاكرة.

في زمن السرعة، حيث كل شيء يُستهلك وينطفئ بسرعة، تملك المجلات قدرة على التثبيت، على القول: هذا النص يستحق أن يُقرأ بعد الآن، لا فقط الآن.

وأعتقد أيضًا أن دورها لا يقتصر على النشر، بل يمتد إلى خلق حساسية: اختيارها للنصوص، لطريقة تقديمها، للحوارات التي تفتحها، كلها تشكّل ذائقة، أو على الأقل تقترحها.

بالنسبة لي، المجلة الجيدة ليست تلك التي تجمع نصوصًا قوية فقط، بل التي تخلق بينها توترًا حيًّا، مساحةً يلتقي فيها المختلف دون أن يُلغى. هناك، تحديدًا، يمكن للأدب الجاد أن يتنفس… لا كصوت عالٍ، بل كأثر عميق يستمر.

  • ​ هل ما زال الشعر قادراً على التأثير في زمن السرعة الرقمية ووسائل التواصل؟

الشعر اليوم لا ينافس السرعة، ولا يحاول أن يعلو فوق الضجيج، بل يتسرّب من خلاله.

قد لا يوقف العالم، لكنه يترك فيه شقًا صغيرًا، ارتعاشًا خفيفًا، لحظة يبطؤ فيها كل شيء دون أن ننتبه.

في زمن التمرير السريع، يصبح التأثير أكثر خفاءً: جملة واحدة قد تلتصق بنا، صورة شعرية قد تفتح فجوة داخل يوم عادي، نص قصير قد يعيد ترتيب إحساس كامل.

لم يعد الشعر يحتاج إلى مساحة كبيرة ليعمل، بل إلى كثافة قادرة على العبور.

أنا لا أرى أن الشعر فقد قدرته، بل غيّر طريقته.

صار أقل ادعاءً، وأكثر مكرًا، يقترب من اليومي، من الهشّ، من العابر، ثم يترك أثره هناك. أحيانًا لا نعرف متى دخل، ولا متى بدأ يعمل فينا.

بالنسبة لي، الشعر ما زال قادرًا وجديراً، لأنه لا ينتمي إلى الزمن نفسه.

هو يحدث في مكان آخرهو دائما في مكان آخر، في تلك الفجوة الصغيرة الهائلة التي لا تستطيع السرعة أن تملأها.

هناك بالضبط، يستمر.

في ختام هذا الحوار، تظل تجربة الشاعرة المغربية منى وفيق نموذجاً للكتابة التي لا تكتفي بالوصف، بل تغوص في الأسئلة.

يبقى الشعر لديها فعل إصغاء عميق، ومحاولة لترميم العالم عبر الكلمات

………………………….

👁️ عدد المشاهدات: 231

Leave a comment

error: Content is protected !!
en_USEnglish
Explore
Drag