القدرة الخفية على أن تبتلع المواجع دون أن تطفئ نورك.
الصبر هو إيمان عميق داخلي لا يراه أحد، ليس وقوفا جامدا أمام عواصف القدر، بل إيمان ينبت في الروح ببطء حتى تنضج ثمرته.
هو أن تحافظ على اتساقك الداخلي رغم اضطراب الخارج.
هنيئًا لمن عرف أن الصبر ليس شعارا ولا مجاملة، بل بنية روحية تبنى طوبة طوبة داخل القلب.
نظن كثيرا أن الصبر مجرد احتمال، لكن الحقيقة أنه وعي يهذب فينا طريقة النظر إلى البلاء.
الصبر ليس أن نحب الألم، بل ألا نسمح له أن يغير جوهرنا.
هو أن نقول للجرح: لن أسمح لك أن تصير سجنا.
وأن نقول للقلق: سأمشي بك لا عليك.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، كأن الآية تضع يدا على كتف القلب، وتخبره أن قوته ليست منه وحده، وأن الصبر الحقيقي عطية تمنح للذين فتحوا أبوابهم للثقة في الله، لا للحيرة.
كما أن من المدهش أن الصبر لا يقاس بطول الانتظار، بل بنقاء النية أثناء الانتظار.
كم من شخصٍ ينتظر وهو يقاوم بعناد وصخب… وكم من آخر ينتظر وهو هادئ كالماء، يعرف أن الزمن ليس عدوا بل رفيقا يقوده إلى ما كتب له من مشيئة الله .
فالصبر الصبر عبادة، لا مجرد مهارة نفسية.
وفي الحديث الشريف: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).
وكأن الصدمة الأولى اختبار لرد فعل الروح قبل أن يهدأ العقل.
عند اللحظة التي يضيق فيها الصدر، ويختلط فيها الخوف بالحيرة، نعرف قدر قوة إيمان القلب أو هشاشته.
الصبر هنا ليس بطولة تعلن، بل تربية وجدانية إيمانية تثمر سكينة.
تحدث الفلاسفة عن الصبر باعتباره بوابة الحكمة.
رأى أفلاطون أن الصبر توقير للزمن، وأن الأمور العظيمة لا تمنح للمتعجلين.
وقال تولستوي: (أقوى المحاربين هما الوقت والصبر)، لأن الزمن وحده يكشف ما كان مختبئا، والصبر وحده يبقينا ثابتين حتى نرى ذلك.
أما ابن عطاء الله فكتب: (إن ما أُخر عنك ما أُخر، ليأتيك في الوقت الذي أراده لك)، كأنه
يذكرنا أن بعض التأخيرات رحمة متنكرة.
ثم يأتي الصبر على الناس، وهو لون آخر من ألوان الحكمة.
أن تدرك أن كل إنسان يحمل معركته الخاصة، وأن قسوته قد تكون صدى لألمه، وأن خطأه ربما صرخة لم يسمعها أحد.
الصبر هنا مساحة نفهم فيها الآخرين قبل أن نحكم عليهم، ونرى ضعفهم قبل أن نرى فعلهم.
هو اتساع في القلب لا يملكه الغاضبون.
والأعمق من ذلك كله: الصبر على النفس.
أن تتحمل تقلبك، عثرتك، خيبتك، وتستوعب أنك كائن في رحلة، لا نسخة جاهزة.
من يصبر على نفسه، يعامل ذاته كما تُعامل الأم طفلها حين يتعثر… بحنان لا بعقاب.
الصبر على النفس ليس تبريرا للأخطاء، بل وعيا بأن النضج لا يأتي دفعة واحدة، وأن الثمرة التي تُجنى قبل أوانها تفسد.
وحين يشتد البلاء ويطول الطريق، نتذكر قول الله تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
البشارة هنا ليست مكافأة مستقبلية فقط، بل سكينة آنية تُنزل على القلب ليواصل السير دون أن ينكسر.
الصبر يعلمنا أن الأقدار ليست ضدنا، بل تمر بنا لتشكلنا، ولتزيل من داخلنا ما يجب أن يزول.
الصبر لا يغير وجه الحياة دائما، لكنه يغير طريقتنا في النظر إليها.
يبدل الخوف فهما، والعجلة بصيرة، والاعتراض تسليما.
ومن عرف الصبر عرف أنه ممرٌّ لا مقرٌّ، وأن الألم بابٌ، لا غرفة نقيم فيها.
من يصبر يعبر:
من ضيق اللحظة إلى فسحة المعنى،
ومن ثقل الانتظار إلى خفة اليقين،
ومن ظلمة الحدث إلى نور الحكمة.
يترك خلفه ما يرهقه، ويحمل معه ما ينفعه.
ولنتذكر دائمًا أنها ممرٌّ لا مقرٌّ…
وأن من سار بالصبر وصل، حتى قبل أن يصل.
……………..
إلى الجمعة القادمة
