Skip links

مرآة الألم بلا مساحيق – قراءة في ديوان (جدران عازلة للحزن) للشاعرة/ هند زيتوني – أشرف عزمي

لا يمكن قراءة ديوان (جدران عازلة للحزن) خارج انتمائه الواضح إلى قصيدة النثر، لا بوصفها تصنيفًا أدبيًا فحسب، بل باعتبارها خيارًا فلسفيًا وجماليًا. فقصيدة النثر، في جوهرها، ليست تمردًا على الوزن بقدر ما هي تمرد على الطمأنينة ذاتها، ورفض لأن يكون الشعر مكانًا للراحة أو ملاذًا للتوازن.

هنا لا نعثر على الإيقاع التقليدي، لكننا نواجه ما هو أعمق وأكثر خطورة:
إيقاع النفس المتكسرة، وإيقاع الفكرة حين تتعثر داخل ذاتها، وإيقاع الجملة وهي تبحث عن معناها في خرائب العالم.

تكتب هند زيتوني قصيدة النثر لأنها لا تثق بالقوالب، ولا تؤمن بالانسجام الجاهز، فالعالم – كما تراه – غير موزون، ومن العبث أن يُكتب بميزان.

الحزن في هذا الديوان لا يُقدَّم بوصفه حالة وجدانية عابرة، بل بنية معرفية كاملة، طريقة لرؤية العالم، وعدسة سوداء تمر عبرها الأشياء فتخرج مثقلة بالانكسار.

العنوان نفسه، (جدران عازلة للحزن)، لا يوحي بالشفاء، بل بالاعتراف بالعجز، فنحن لا نهزم الحزن، بل نحاول فقط أن نخفف تسربه إلى أرواحنا.

وفي القصيدة التي تحمل عنوان الديوان، تقول الشاعرة:

يقول كبير الأموات:
فشلنا في الرقص على حبل الفرح
ونجحنا في القفز على الجراح

تلخص هذه المفارقة الكاشفة الرؤية العامة للنص: الإنسان المعاصر كائن مدرَّب على الألم، يتقنه أكثر مما يتقن الفرح.

النجاح هنا ليس أخلاقيًا ولا بطوليًا، بل تراجيديًا؛ نجاح في التكَيُّف مع الخسارة، لا في تجاوزها.

لغة هند زيتوني ليست لغة تزيين ولا بيان شعري تقليدي، بل لغة متألمة، تتكسر من الداخل.

الجملة عندها لا تسير بثقة، بل تتعثّر، والحرف لا يطيع، بل يسقط كما لو أنه فقد إيمانه بالمعنى. تقول:

تسقط الحروف بلا سبب
من رأس اللغة
وتمنح جسدها
لغريب ليس له عنوان

هذا المقطع يعلن بوضوح أزمة اللغة نفسها.

الكلمة لم تعد مأوى للمعنى، بل منفى.

والشاعرة لا تحاول إنقاذ اللغة أو ترميمها، بل تكتفي بتسجيل لحظة انهيارها، كأنها شاهدة على خراب لا تملك إيقافه.

أما الجسد، فلا يحضر بوصفه موضوعًا شهوانيًا أو زخرفيًا، بل بوصفه مساحة فلسفية تتراكم فيها الذاكرة، والذنب، والرغبة، والخسارة.

والحب في هذا الديوان لا يُقدَّم كخلاص رومانسي، بل كتهديد وجودي قد ينسف ما تبقى من التماسك الداخلي.

الموت في (جدران عازلة للحزن) ليس حدثًا استثنائيًا ولا ذروة درامية، بل امتدادًا طبيعيًا للحياة، وربما وجهها الأكثر لطفًا.

حيث يُنزع عن الموت رعبه الميتافيزيقي، ويُقدَّم كاستراحة أخيرة من صخب الوجع. الحياة، لا نهايتها، هي العبء الحقيقي.

ولا يقتصر الديوان على الذات الفردية، بل يفتح نوافذه على العالم بكل ما فيه من خراب: الحرب، المدن المغتصبة، الجثث، الأطفال، والانهيار السياسي والإنساني.

المدينة في الديوان ليست مكانًا، بل لعنة، والنظر إليها يكلفك إنسانيتك.

النجاة لا تتحقق إلا بالتحجر.

رسائل هند زيتوني إلى محمود درويش في الديوان تحضر بوصفها محاولة للاتكاء على ذاكرة شعرية كبرى، لا للاختباء خلفها.

فدرويش هنا ليس أيقونة تُستدعى للتقديس، بل شاعرًا يُخاطَب من موقع الندّية الجريحة، كأن الشاعرة تضع تجربتها في مواجهة تجربته، وتسأله لا لتطمئن، بل لتُضاعف السؤال.

إن مخاطبة درويش في هذا السياق ليست حنينًا إلى قصيدة وطنية كبرى، بقدر ما هي اعتراف ضمني بانكسار الحلم الذي بشر به الشعر ذات يوم.

فالشاعرة لا ترثي درويش، بل ترثي العالم الذي لم يعد صالحًا لبلاغته العالية.

ولهذا تأتي الرسائل مشبعة بوعي الفقد، وكأنها تقول: ماذا نفعل بالشعر بعد أن صار الألم يوميًا، عاديًا، بلا استعارة؟

درويش في هذه الرسائل يتحول إلى ضمير شعري غائب/حاضر، شاهد على سقوط المعنى، ومرآة تُقاس عليها هشاشة القصيدة المعاصرة.

فالحديث إليه هو في جوهره حديث عن الشعر نفسه: عن جدواه، وعن قدرته على المواجهة، وعن حدود اللغة حين تُثقلها الهزائم.

بهذا المعنى، تشكل رسائل محمود درويش في (جدران عازلة للحزن) جسرًا بين جيلين من الحساسية الشعرية: جيل كان يؤمن بأن القصيدة قادرة على حمل الوطن، وجيل لا يملك سوى أن يحمل ألمه الشخصي والعالمي معًا، دون يقين بالخلاص.

وعلى الرغم من القوة التعبيرية والصدق الشعري العالي، يظل الديوان وفيًا تقريبًا لنبرة واحدة من القتامة، ما قد يُحدث لدى القارئ نوعًا من الإرهاق العاطفي، في ظل غياب فسحات تنفس كافية أو تحولات نبرية واضحة.

التجربة، تؤكد انحيازها الصريح إلى الصدق الوجودي أكثر من الانشغال بالاقتصاد الجمالي.

(جدران عازلة للحزن) ليس ديوانًا يُقرأ للمتعة، بل للمواجهة.

نص يضع القارئ أمام هشاشته، ويجبره على النظر في مرآة الألم دون مساحيق.
إنه شعر لا يعد بالخلاص، لكنه يمنحنا شيئًا أكثر صدقًا:
الاعتراف بأننا لم ننجُ… لكننا كتبنا.

……………………….

 

Leave a comment

error: Content is protected !!
en_USEnglish
Explore
Drag