Skip links

على كتف النيل نام الحنين – في ديوان (سألت النيل) للشاعر/ زايد صالح آل بريك

صدر حديثا ديوان (سألت النيل) للشاعر/ زايد صالح آل بريك .. هو ديوان لا يفتح للقراءة بقدر ما يفتح للبوح

فهو رحلة داخل روح شاعر يتكئ على العامية المصرية لا كوسيلة حكي، بل كأداة كشف، عامية تعرف كيف تصير فلسفة، وكيف تتحول من لهجة يومية إلى لغة وجود.

منذ السطر الأول، يبدو الشاعر كمن يسير وحيدًا في شتاء القاهرة، “قويًّا في ظاهره، لكنه من أشد المقهورين حزنًا وحبًّا وعُمرًا”، لا يبحث عن بطولة، بل عن معنى.

فالحياة هنا ليست حدثًا، بل عبئًا جميلًا، والمشاعر ليست ترفًا، بل قدرًا لا فكاك منه.

يقول في مقدمته كمن يعرف نفسه للكون لا للناس:

كل ده جاى م المشاعر

لما تنبض ف الشعور

ثم تتحول قصيدة

تلمس القلوب تخور

ومن هذه الجملة يمكن فهم الديوان كله.

في (سألتُ النيل) الأب ليس ذكرى عابرة، بل أصل المعنى، والأم ليست حضورًا حنونًا فقط، بل تجسيد لفكرة الرحمة ذاتها.

العائلة هنا ليست حكاية شخصية، بل مرآة لقيم تُغرس في الإنسان قبل أن يواجه العالم.

وحين يتسع المشهد، يتسع معه الوجع:

(الوطن، الغربة، الخيبات المتراكمة، والحب الذي يأتي غالبًا في صيغة المستحيل).

الديوان يسأل أكثر مما يجيب.
يسأل عن الإنسان حين يُروَّض، حين يتحول من أسدٍ إلى لعبة سيرك، في واحدة من أكثر قصائد الديوان قسوة وعمقًا، حيث يقول دون خطابة:

قـرّر يورّيها الأسد

فى العرض يرفض يتعـرض

قلب المدرب ينقبض

لكن كرابيج البشر

تنزل عليه

تنظر إليه

وتحن ليه

كفاك عناد

نطّ الأسد ..

لكن فى وش سجانيه

كأن الحرية هنا ليست غريزة فقط، بل ثمن.

وفي قلب هذا التأمل القاسي، يظل الحب حاضرًا، لا بوصفه خلاصًا سهلًا، بل بوصفه امتحانًا أخيرًا للإنسان.

في (يا شهرزاد) لا يقف الشاعر في موقع شهريار القاتل، بل في موقع الإنسان الذي يختار الحياة رغم الخذلان:

طلع النهار ما قتلتكيش

وادى الإجابة المدهشة

يا شهر زاد

سبتك تعيشي

عشان أعيش

وهنا تبلغ الرومانسية ذروتها: أن يكون العفو شكلًا من أشكال النجاة.

أما النيل، فهو ليس نهرًا في هذا الديوان، بل ذاكرة وطن، وصوت تاريخ، وضمير حي.

حين يقول:

سألت النيل صفاتك ايه ؟
جاوبني مصر أوصافي
فهو لا يكتب قصيدة وطنية تقليدية، بل يختصر علاقة كاملة بين الإنسان والمكان، علاقة حب، وعتاب، وانتظار طويل.

(سألتُ النيل) ديوان عن الذين ما زالوا يحلمون رغم الشيب،عن الذين يعرفون أن (بكره رغم الشيب شباب)، وعن الذين يمشون في (سيرك الدنيا) بوعي، رافضين أن يتحولوا إلى أقنعة.

هو ديوان لا يدعي الحكمة، لكنه ممتلئ بها.
لا يرفع صوته، لكنه يترك أثرًا طويلًا.
ديوان عن الإنسان… حين يكون هشًّا، وصادقًا، ومُصرًّا على أن يشعر، مهما كان الثمن.

………………………..

Leave a comment

Explore
Drag