ديوان «الأنابيش» هو تجربة جمالية، وشهادة في ذات الوقت.
شهادة على زمنٍ اختلطت فيه اللغة بالضجيج، والحقيقة بالتصريحات، والإنسان بدوره الثانوي داخل مشهد أكبر منه.
هنا لا يتخفى الشاعر أيمن عبد الرحيم خلف البلاغة، ولا يراهن على الزخرفة، بل يختار الطريق الأصعب:
أن يكتب كما يُفكر الناس في صمتهم، وكما يسخرون في دواخلهم، وكما يغضبون دون أن يُسمح لهم بالغضب علنًا.
«الأنابيش» ديوان يقوم على المفارقة بوصفها أداة كشف.
القصيدة قصيرة، لكنها لا تختصر المعنى، بل تضغطه حد الانفجار.
السخرية ليست تهريجًا، بل آلية دفاع أخيرة أمام واقع يصر على أن يكون أكثر عبثًا من أي تخييل شعري.
والضحك هنا ليس نقيض الألم، بل شكله الأكثر صدقًا.
في هذا الديوان، يتحول الخطاب السياسي إلى مادة شعرية عارية، لا تُدان بالخُطب، بل تُعرى بالتهكم.
يتحول الخطاب الديني إلى مساحة سؤال، وتتحول اللغة اليومية – تلك التي نسمعها في الأخبار، وفي الشارع، وفي البيانات الرسمية – إلى نصوص تعترف بما لا تقوله أصلًا.
الشاعر لا يتكلم باسم البطولة، بل باسم الإنسان العادي:
ذلك الذي يقف في الطابور، ويُصدق نصف ما يسمع، ويضحك على النصف الآخر كي ينجو.
الإنسان الذي صار شاهدًا على زمنه أكثر من كونه صانعًا له.
ما يميز «الأنابيش» أن قصائده لا تسعى إلى إقناع القارئ، بل إلى إرباكه.
لا تمنحه إجابات، بل تضعه في مواجهة الأسئلة التي يتجنبها:
من يتكلم باسم من؟
ومن يملك اللغة؟
ومتى تحولت الحقيقة إلى وجهة نظر؟
الحضور اليومي في الديوان كثيف:
المترو، الميكروفون، المنصة، البيان، الخطبة، اللافتة، الصورة الرسمية.
لكن كل هذه العناصر تُعاد صياغتها شعريًا، لا لتصبح أجمل، بل لتصبح أكثر صدقًا.
كأن الشاعر يقول: الواقع نفسه نص سيئ التحرير، وأنا فقط أعيد قراءته بصوت عالٍ.
«الأنابيش» ليس ديوانًا يَعِد بالخلاص، ولا يطرح الشعر بوصفه حلًا، بل يقدمه كمساحة مقاومة أخيرة، كمحاولة لانتزاع المعنى من تحت الركام، وللتذكير بأن الكلمة، حتى وهي ساخرة، تظل أخطر من الصمت.
هذا ديوان يُقرأ لمن فقد ثقته في الشعارات، ولمن لا يزال يؤمن أن الشعر، حين يضحك، قد يكون في الحقيقة… أكثر الأشكال جدية للاحتجاج.
…………………..
