Skip links

(من الإرث إلى الإبداع: الثقافة بوصفها سؤالًا) – قراءة تأملية في تجربة الكويت الثقافية ضمن مهرجان القرين

الكويت – محمد فتحي علي

تأتي الندوة الرئيسية ضمن الدورة الحادية والثلاثين من مهرجان القرين الثقافي تحت عنوان «من الإرث إلى الإبداع… الكويت ومسيرة الثقافة العربية»، بوصفها لحظة تأمل ثقافي تتجاوز الاحتفاء إلى مساءلة المعنى، وتختتم بها الكويت عامًا حافلًا كرّسته عاصمةً للثقافة والإعلام العربي 2025. لا تتعامل الندوة مع هذا التتويج بوصفه حدثًا بروتوكوليًا، بل كفرصة لإعادة قراءة التجربة الثقافية الكويتية في امتدادها العربي، والوقوف عند ما راكمته من حضور مؤسسي وفكري عبر عقود.

بهذا المعنى، لا تنشغل الندوة باستعراض منجز ثقافي مكتمل، بقدر ما تسعى إلى تفكيك شروطه وأسئلته، والبحث في الكيفية التي تحوّلت بها الثقافة في الكويت من فعل حماية للذاكرة إلى ممارسة إبداعية واعية بذاتها وبسياقها العربي. فالثقافة هنا ليست سجلًا للإنجاز، بل مسارًا حيًا تشكّل عبر التفاعل مع التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وراكم خبرته عبر مؤسسات وأفراد وأسئلة ظلّت مفتوحة على الدوام.

تنطلق الندوة من سؤال العلاقة بين الإرث والتجديد، مقدّمة الثقافة الكويتية نموذجًا لتفاعل حيّ بين الذاكرة والإبداع؛ حيث لا يُنظر إلى التراث بوصفه ماضيًا منجزًا، بل طاقة فاعلة أسهمت في تشكيل خطاب ثقافي منفتح شارك في صياغته مثقفون ومبدعون ومؤسسات لعبت أدوارًا محورية في مجالات الفكر والأدب والفنون والنشر والإعلام. وفي مقاربة تتجاوز الوصف إلى التحليل، تُطرح الثقافة باعتبارها مشروعًا تنمويًا مستدامًا، مرتبطًا ببناء الإنسان وتعزيز الهوية والانتماء، في ظل تحولات متسارعة تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول دور الثقافة اليوم.

امتدت الندوة الرئيسية على مدار ثلاثة أيام، خلال الفترة من 8 إلى 10 فبراير 2026، وشكّلت ذروة البرنامج الثقافي المصاحب لاختتام احتفالية الكويت عاصمةً للثقافة والإعلام العربي. واستُهلت أعمالها بمعرض فوتوغرافي بعنوان «بانوراما الكويت: عاصمة الثقافة والإعلام العربي 2025»، قدّم قراءة بصرية مكثفة لعام شهد حضورًا كويتيًا لافتًا في المشهدين الثقافي والإعلامي.

أعقب ذلك كلمة افتتاحية للدكتور محمد الجسار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وضع فيها الندوة في سياقها الفكري العام، معتبرًا أن عنوانها يعكس فلسفة ثقافية راسخة قامت عليها التجربة الكويتية، قوامها الجمع بين الاعتزاز بالجذور الحضارية والانفتاح الواعي على التجديد. وأكد أن الثقافة الحيّة هي تلك القادرة على وصل الماضي بالمستقبل دون قطيعة أو انغلاق، متوقفًا عند الدور الذي لعبته الكويت منذ بداياتها الحديثة في ترسيخ الثقافة بوصفها عنصرًا أصيلًا في مشروعها الوطني، لا نشاطًا هامشيًا أو ترفًا مؤقتًا.

وأشار الجسار إلى أن هذا الحراك الثقافي لم يكن معزولًا عن رؤية الدولة، التي نظرت إلى الثقافة باعتبارها استثمارًا طويل الأمد في الإنسان، وركيزة من ركائز الاستقرار المجتمعي، وأحد أهم أدوات القوة الناعمة. وهو ما تجسّد، بحسب كلمته، في اختيار الكويت عاصمةً للثقافة والإعلام العربي 2025، بوصفه تتويجًا لمسار مؤسسي ممتد، لا حدثًا عابرًا.

ومع انطلاق الجلسة الأولى من الندوة، التي خُصصت لقراءات فكرية حول مساهمة الكويت في الثقافة العربية، برز البعد التاريخي للتجربة الثقافية الكويتية بوصفه مدخلًا أساسيًا لفهم حاضرها. وفي هذا السياق، قدّم الدكتور سليمان العسكري مداخلة أكّد فيها أن الحديث عن الإسهام الكويتي في الثقافة العربية يتجاوز الأطر المؤسسية الحديثة، ولا يمكن اختزاله في نشأة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أو وزارة الإعلام، بل يمتد إلى جذور أعمق حين كانت الكويت فضاءً مفتوحًا للتجارة والفكر والعلاقات الثقافية مع محيطها العربي.

وانطلق العسكري من محطة مفصلية في هذا المسار، هي صدور مجلة «العربي» عام 1958، معتبرًا إياها لحظة فارقة في الوعي الثقافي الكويتي والعربي معًا. فقد جاءت المجلة في وقت كانت فيه الكويت تشهد تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى، لكنها اختارت أن تدخل المجال الثقافي العربي برؤية واضحة جعلت من «العربي» مشروعًا عربيًا انطلق من الكويت، لا مجلة محلية ذات طابع قطري. وهو ما تجلّى في الاسم، وهوية هيئة التحرير الأولى، والخطاب الثقافي الذي أعلن منذ بداياته انتماءه إلى الوطن العربي بأسره.

ضمن الجلسة نفسها، قدّم الدكتور سعود هلال الحربي قراءة ركّزت على البعد المؤسسي للتجربة الثقافية الكويتية، متناولًا دور دولة الكويت في مشروع الخطة الشاملة للثقافة العربية. وانطلق من فكرة أن الثقافة في التجربة الكويتية لم تُعامل باعتبارها نشاطًا مكمّلًا، بل وُضعت منذ وقت مبكر في صلب التخطيط التنموي، بوصفها ركيزة لبناء الإنسان وتعزيز الوعي الجمعي.

وسلّط الحربي الضوء على إسهامات الكويت في دعم العمل الثقافي العربي المشترك، ولا سيما عبر تبنّي مفهوم التخطيط الثقافي المؤسسي الذي يربط بين الثقافة والتعليم والتنمية، ويمنح العمل الثقافي أفقًا استراتيجيًا بعيدًا عن العشوائية. كما أشار إلى دور المؤسسات الثقافية الكويتية في احتضان المشروعات العربية المشتركة، مؤكدًا أن هذا الدور يعكس التزامًا تاريخيًا بتفعيل الثقافة كقوة ناعمة قادرة على صون الهوية وتعزيز التواصل الحضاري.

وفي امتداد النقاش حول البعد العربي للتجربة الثقافية الكويتية، جاءت مداخلة الكاتب والإعلامي السعودي محمد نصرالله لتضع هذه التجربة ضمن إطار أوسع، بوصفها أحد المكونات الأساسية لما يمكن تسميته بالقوة الناعمة العربية. وتوقّف عند تبنّي الكويت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي مشروع «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، الذي جرى إعداده بمشاركة نخبة من الخبراء العرب، قبل أن يصدر رسميًا باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1986.

وفي هذا السياق، استعاد نصرالله الدور الريادي للوزير الكويتي المثقف عبدالعزيز حسين، مشيرًا إلى رعايته المبكرة للمبادرات الفكرية منذ إشرافه على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة في أربعينيات القرن الماضي، وإصداره مجلة «البعثة» التي أسهمت في تشكيل وعي ثقافي عربي عابر للحدود.

أما الدكتور الزواوي بغورة، فقد قدّم مقاربة فكرية ذات طابع فلسفي، ركّز فيها على إسهام الكويت في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة من زاوية لم تحظَ بما يكفي من الدراسة، وهي الزاوية الفلسفية. وتوقّف عند شبكة المؤسسات الثقافية والعلمية، وفي مقدمتها سلاسل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مثل «عالم المعرفة» و«عالم الفكر»، ودورها في نقل المعرفة الفلسفية والعلمية إلى القارئ العربي، إلى جانب مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وجامعة الكويت بوصفهما حاضنتين للبحث والترجمة.

واختُتمت الجلسة الأولى بمداخلة للروائي والصحافي المصري ياسر عبدالحافظ، حملت طابعًا تأمليًا ربط بين إرث الكويت الثقافي وسؤال الحاضر العربي المأزوم. وانطلق عبدالحافظ من مسلّمة مفادها أن الإسهام الكويتي في تشكيل الثقافة العربية بعد موجات التحرر من الاستعمار هو إسهام تأسيسي لا خلاف عليه، لكنه يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا في ظل التحولات العميقة التي تطاول المنطلقات الفكرية والسياسية للثقافة العربية الحديثة.

وأكد أن قراءة المنتج الثقافي الكويتي لا تنفصل عن سياقه التاريخي، معتبرًا أن إحدى أهم ميزاته تكمن في تفاعله المباشر مع محيطه، ما يجعله أداة لفهم تحولات المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اللحظة الراهنة. واستند في قراءته أيضًا إلى تجربة معايشة شخصية خلال عمله الصحافي في الكويت، معتبرًا أن التنوع المجتمعي شكّل أساسًا لحيوية ثقافية انعكست على خطاب إبداعي ومعرفي عربي جامع.

بهذه القراءات المتقاطعة، بدت الجلسة الأولى أقرب إلى خريطة فكرية لمسار الثقافة الكويتية، لا بوصفها تجربة محلية مكتفية بذاتها، بل كجزء من تاريخ عربي أوسع تشكّلت فيه الثقافة عبر التبادل والتأثير المتبادل، حيث لا تكمن قيمة الإرث في حفظه، بل في قدرته على توليد أسئلة جديدة وإعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والواقع.

انتقلت الندوة في جلستها الثانية إلى قلب التجربة الإبداعية عبر جلسة «أصوات السرد في الأدب الكويتي»، التي أدارتها مثايل الشمري، بمشاركة الروائيين سعود السنعوسي وبثينة العيسى . ناقش الحوار تحولات السرد وتقنياته وعلاقته بالتحولات الاجتماعية، ومسؤولية الكاتب وحدود تأثير الكتابة.

رأت بثينة العيسى أن دور الكاتب يتمثل في تقديم شهادة صادقة عن الواقع أكثر من ادعاء تغييره، وتوقّفت عند انتقال روايتها «السندباد الأعمى» إلى التلفزيون، مبيّنة الفروق بين جمهور الأدب وجمهور الشاشة، وصعوبة نقل الشخصيات المركّبة مع الحفاظ على روح العمل. كما تحدثت عن الصوت السردي بوصفه تمرينًا في التقمص العاطفي، وعن ميلها إلى الصوت الثالث بوصفه أكثر حميمية وقدرة على التغلغل في أعماق الشخصيات.

من جانبه، ميّز سعود السنعوسي بين حفظ الذاكرة الجمعية ووهم التغيير المباشر، معتبرًا أن تأثير الرواية غالبًا ما يظل محدودًا وفرديًا. وتوقّف عند تنوّع الأصوات السردية في أعماله، مؤكدًا أن اختيار السارد يأتي نتيجة تخمّر طويل للنص، لا قرارًا تقنيًا مسبقًا. واختُتمت الجلسة بفتح نافذة على ما وراء الكتابة، من هواجس وأدوات واختيارات فنية.

وعلى امتداد أيامها التالية، واصلت الندوة فتح مسارات متعددة للنقاش عبر جلسات تناولت الحركة المسرحية الكويتية وأثرها في المسرح الخليجي والعربي، وبدايات المسرح الكويتي، والفن التشكيلي بوصفه ذاكرة للمكان وتحولات للريشة، والموسيقى والفنون ودور الكويت الريادي في تأسيس الأغنية الخليجية والعربية، وصولًا إلى الجلسة الختامية «الإعلام الكويتي: الكلمة التي عبرت الحدود». وقد شهدت هذه الجلسات حضورًا لافتًا لكوكبة من الأدباء والكتاب والأكاديميين والإعلاميين العرب، ما منح النقاش طابعًا تفاعليًا غنيًا.

على هذا النحو، لا تبدو الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي مجرد ختام احتفالي لعام ثقافي استثنائي، بل لحظة مراجعة وتأمل في معنى الثقافة ودورها وحدودها. وإذا كانت الندوة قد انطلقت من سؤال الإرث، فإنها انتهت، فعليًا، إلى سؤال الإبداع بوصفه اختبارًا دائمًا للثقافة: كيف تظل حيّة، وكيف تجدد أدواتها، وكيف تحافظ على قدرتها على الفعل في عالم سريع التحول؟ وهي أسئلة لا تخص الكويت وحدها، بقدر ما تمسّ جوهر الثقافة العربية في لحظة مفصلية من تاريخها.

………………………………………

👁️ عدد المشاهدات: 33

Leave a comment

error: Content is protected !!
en_USEnglish
Explore
Drag