Skip links

(مصر في قلب الكويتي) – بقلم أ/ حمد الشمري .. الكويت

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتقلّص فيه المسافات ، تبقي بعص العلاقات الإنسانية عصيّة علي الزوال ، محفورة في الوجدان قبل أن تُكتب علي الورق ..من بين تلك العلاقات ..علاقة الشعب الكويتي بمصر ..هذه العلاقة التي يغلفها الحب والاحترام ..ففي تلك البلاد التي احتضنتني سنوات من عمري ..وزرعت في أعماقي جذوراً لا يمكن اقتلاعها ؛مهما طال الغياب.

فقد درس آلاف الشباب الكويتيون في الجامعات المصرية علي مدار عقود ،فكانت القاهرة والاسكندرية والمنصورة وأسيوط وغيرها محطات ليس للعلم فحسب ، بل لتكوين الشخصية والانتماء العربي.

في تلك السنوات ..تعمقت في نفسي   القيم  الأصيلة؛ تعلمت أن الكرم ليس صفة عابرة ، بل هو ثقافة يومية ؛وأن”التفضّل” قد تكون كلمة واحدة لكنها تنسج  معان الودوالحب ؛..وأن الشارع المصري -بكل زحامه وصخبه- يحمل في طياته دِفئاً لا يُضاهى . قل إن تجده في مكان آخر

لم يكن الأمر متعلقا بدروس العلم والمعرفة  وحدها ،بل بتلك اللحظات الصغيرة التي تبني الذاكرة وتملأ النفس صفاء وحبا :  فالتجول في شوارع القاهرة ومطاعمها ونيلها وبساطة أهلها أيقنظت في روحي مشاعر الألفة والهوية العربية الأصيلة  التي ستظل مغروسة فينا نحن الكويتيين ولن يمحوها الزمن؛ ،ناهيك عن المساندة غير المشروطة التي يقدّمها الزميل المصري لأخيه الكويتي دون انتظار مُقابل .

وإذا كانت هذه اللحظات تبني الذاكرة الفردية، فإنها تعكس أيضاً الحب والوفاق العميق بين الشعبين الكويتي والمصري ، وهذه العلاقة

تجاوزت الحدود الجغرافية لتصبح رابطة أخوة حقيقية .

فمنذ عقود كانت مصر ملاذاً تعليمياً وثقافياً للكويتيين ، وكان الكويتيون شركاء في بناء مصر الحديثة ، سواء أكان ذلك من خلال الاستثمارات أم الدعم في أوقات الأزمات .

أذكر..ككويتي درس في أرض النيل ، كيف كان الشعب المصري يعاملنا كأبناء ،لا كغرباء؛ ففي أزمة الغزو العراقي للكويت عام 1990 ، وقفت مصر إلي جانبنا بكل قوتها ، وساندتنا حتى عادت الابتسامة ترتسم على الوجوه بفرحة التحرير ،

فعلاقتنا بمصر ليست مُصادفة، بل هي ثمرة خصائص المصريين الفريدة وفلسفتهم الحقيقة التي تجمع بين الصبر والفكاهه والتفاؤل .

المصري بطبعه، يمتلك كرماً فطرياً يجعله يفتح بيته وقلبه للآخر دون حسابات ..فلسفته في الحياه مبنيه علي” الرضا بالقليل ”  حيث يُواجه الصِعاب بإبتسامة ونكتة، مُستلهِماً من تاريخه الطويل الذي شهد حضارات وغزوات .

إنه شعب يؤمن ب “القدر والقِسمة” ، لكنه لا يستسلم؛ يعمل بجد ويحتفل بالحياه في أبسط تفاصيلها.

هذه الفلسفة علمتني، ككويتي  ، أن أري الجمال في الفوضي ، وأن أتحلي بالمرونة أمام التحديات..  ففي مصر تعلمت أن “الدنيا جميلة ” مهما كانت الغقبات.

أنا، ككويتي عاش بينكم ، أقول لكم يا أهل مصر : أنتم لستم مُجرد شعب، بل أنتم مدرسة في الإنسانية.

فلسفتكم في الحياة ،التي تجمع بين الجد والدُعابة، جعلتني أعود إلي الكويت قويا وأكثر تفاؤلاً.

أتذكر كيف كان زميلي المصري يقول لي في أيام الإمتحانات : “القادم أفضل إن شاءالله” ، هذا الإيمان بالغد يجعلكم تتجاوزون الأزمات، دون أن تفقدوا روحكم الطيبة.

هذه الخصائص ليست نظرية ، بل حقيقة عِشتها: الصداقة السريعة.، المساعدة غير المشروطة، والقدرة علي تحويل اليوم العادي إلي احتفال.

يا مصر.. يا أم الدُنيا ..أنتِ لستِ مُجرد وطن درست فيه ، ولا مُدناً عِشتُ في شوارعها سنواتٍ من عمري.

أنتِ جُزء لا ينفصل من روح كل  عربي أصيل ، خيطٌ  من نورٍ نسجتيه في قلب كل كويتيٍّ، علي الرغم من أنه  لم يزل قلبي بنبض بحُب آخر لا يُنازعه أحد: حب الكويت ..الكويت التي ربتني ، التي أعطتني الأمان والانتماء،  فأنا ابنها الأصيل ، ففي قلبي اليوم وطننان: مصر التي أحببتُها كأُم ثانية علّمتني الكرم والصبر والفُكاهه في وجه الزمن ، والكويت التي هي أصلي ودمي وموطن راحتي وفخري.

يا مصر..سأظل أدعو لكِ في كُل سجدة ..وسأحملكِ في قلبي

……………………

Leave a comment

error: Content is protected !!
en_USEnglish
Explore
Drag