Skip links

صدفة شكلت الطريق – الكاتبة/ مزنة بنت سعيد البلوشية .. سلطنة عمان

لم يكن اللقاء وعدًا، ولا خطة، ولا حتى رغبة واضحة في شيء جديد.

جاء صدفة عابرة، في وقت لم نكن فيه مستعدين لأي تغيير، ولا ننتظر انعطافًا في الطريق.

ومع ذلك، ليست كل الصدف عابرة كما نتصور؛ فبعضها يأتي لا ليُربك اللحظة فقط، بل ليختبر وعينا، ويضعنا أمام احتمالات لم نحسب لها حسابًا من قبل.

التقينا دون نية مسبقة، ودون توقع، ثم وجدنا أنفسنا نسير في الطريق نفسه، لا لأن الطريق كان سهلًا أو مغريًا، بل لأن الرجوع صار أصعب، ولأن التراجع في بعض اللحظات يبدو كخيانة لما بدأ دون تخطيط.

في البداية حسبناه مجرد لقاء عابر، لحظة وتنتهي كما تنتهي سواها من اللحظات اليومية التي تمر دون أثر.

لكن الأيام، بخبثها الهادئ، كشفت أنه لم يكن نهاية عابرة، بل بداية رحلة.

رحلة لم تُكتب لها الراحة منذ أول خطوة، كانت مليئة بالتردد، وبالتعب الذي لا يُقال، وبأسئلة مفتوحة لا تبحث بالضرورة عن إجابات. تعثرنا كثيرًا، لا لأننا ضعفاء، بل لأن كل خطوة إلى الأمام كانت تعني خسارة شيء خلفنا، شيئًا مألوفًا، آمنًا، اعتدنا الاتكاء عليه. عندها فقط أدركنا أن الإنجاز لا يولد من الحماس، بل من الاستمرار حين يختفي الحماس تمامًا، حين لا يبقى سوى القرار العاري بالمواصلة.

لم يكن الطريق عادلًا، ولا الظروف رحيمة. كانت هناك أيام نشك فيها بكل شيء: بالهدف نفسه، بالقدرة على الوصول، وبأنفسنا قبل أي أحد آخر. ومع ذلك أكملنا، لا بدافع البطولة، بل لأن التوقف كان اعترافًا مبكرًا بالهزيمة، ولأن بعض الرحلات لا تُقاس بسرعة الوصول، بل بقدرتك على البقاء واقفًا رغم الثقل، رغم الشك، ورغم الإحساس الدائم بأنك تمشي بلا ضمانات.

وحين وصلنا إلى ما يمكن تسميته إنجازًا، لم نشعر بالدهشة كما توقعنا. لم يكن ما حدث معجزة، ولا هدية من الحظ، بل حصيلة صبر طويل، وقرارات موجعة، وتضحيات لم يرها أحد ولم يصفق لها أحد.

كان نتيجة صدفة صغيرة تحولت، مع الوقت، إلى مسؤولية كبيرة: مسؤولية ألا نخذل تلك اللحظة الأولى التي جمعتنا دون ترتيب، ولا الجهد الذي بذلناه بعدها ونحن نعرف أن الرجوع لم يعد خيارًا سهلًا.

بعض الصدف لا تأتي لتسعدك أو تمنحك الطمأنينة، بل لتوقظك على نسخة أكثر صلابة من نفسك.

لا تعطيك الراحة، بل تضعك وجهًا لوجه أمام ما يمكنك أن تكونه إن تحمّلت الثمن.

لقاء واحد غير محسوب قد يقودك إلى رحلة كاملة، رحلة تغيّر تعريفك للنجاح، وتجعلك تدرك، متأخرًا أو في الوقت المناسب، أن أعظم الإنجازات غالبًا ما تبدأ من لحظة لم نخطط لها أبدًا.

…………………….

Leave a comment

error: Content is protected !!
arArabic
Explore
Drag