
أتألم؛ فهو طوال الرواية يقول لها ” أوحشتني عيناكِ” ، بالصمت مرّة، ومرّات بالنظرات، حتى إن كان منشغلا عنها بالعيادة أو بالسهر مع رفقائه، حتى إن تشغله أو تشاغله أخرى؛ فيراها مختلفة، أوحشته تلك العيون البريئة التي تخفيها الهالات السوداء، عيون يملؤها الوجع.
تكتم حتى الرحيل، رحلت وأخذت معها أسرارها، أم أن كثرة الكبت والضغوط يولّد انفجارا، كتمت إلى أن انفجرت، تركت الكل ورحلت.
صراع؛ فكل منهما يبحث عن شيء ما، لكن بينهما نقطة تلاقٍ، صراع بين طبيعة الرجل وطبيعة المرأة؛ سيف فهو سيف الحرب والحب، فأحيانًا نشعر أنه مسموميرسم لها مكيدة؛ كي يذبحها، أو سيف تحاربه هي لكن تدافع عنه بكتمانها لأسرارهما محاولة الاجتهاد وإصلاح عيوبها، لكن نرى سيف بطل الرواية يستغل البطلة غادة وهي تضحي طوال الوقت حتى أنها ترهق نفسها في ترجمة أبحاث يأخذ هو مقابلها في جيبه.
يتركها دون السؤال عنها بحجة أنه مشغول، وهنا توضح لنا الكاتبة مدى طمع وأنانية سيف؛ فهو لا يقدرها تقديرًا ماديًا ولا معنويًا، ويطلب منها أن تعمل عملا إضافيًا، وتترجم له الأبحاث أو تعمل مشروع ترجمة رغم أنها أخبرته أنها مرهقة لكنه يريد ادخار الأموال وهي ترضخ له.
وفي النهاية يشكو أنها نكدية وغيورة تتصرف كالأطفال؛ تريده دومًا بجانبها، فلم يعلم مدى فرحتها بغيرته عليها أو بكلمة رقيقة منه، قبلة أو لمسة حنون أو حتى حضن.
وقد أظهرت الكاتبة حكمة البطلة في تخفيف آلام سيف، لكن هنا يظهر صراع لغات الحب حتى بين غادة وإخوتها وأولاد أخويها، تصارع بسبب اختلاف الاهتمامات، لكن نرى غادة في النهاية عادت إلى بيت أمها‘ وإلى أحضان عائلتها كأنها تريد إخراج همّها، وكأن حواجز الصمت قد انكسرت والعزلة والانفراد بالموبايل، تركوا كل هذا وجلسوا جلسة سمر حافلة بالغناءوالاستعراض والضحك، وهذا هو التواصل الحقيقي.
وقد وضعت الكاتبة إصبعها على بعض المشكلات التي تواجه هذا العصر، مثل انشغال الناس عن الأهل والأقارب بحجة ضغوط الحياة والصغار والتكنولوجيا، إنما يستغلون الأهل استغلالا ماديًا، كما نجحت الكاتبة في تصوير صراع الأم مع ابنتها، كما صورت أيضًا مشاعر الأم المتوجسة الخائفة من أن تموت دون أن يشعر بها أحد، وخوفها على ابنتها من زوجها، وأرى أنه ليس صوتها، إنما هي هواجس نتيجة خوفهاعلى بنتها التي ترى أن تصرفاتها خاطئة، كما رأت ذلك أيضًا مستشارة العلاقات الزوجية التي لجأت إليها غادة، وأرى أن أفكار سيف ليست أفكاره، وما هي إلا أوهام لا أدري من أين أتته، ومن المحتمل أنها نتجت عن مفهومه الخاطئ للحياة الزوجية، وهنا نوجّه سؤالا للكاتبة: لماذا لم تطلب غادة من سيف مبلغًا باسمها في البنك؛ كي نرى رد فعله؟
أرى أن الكاتبة استخدمت أسماء لها سيميائية، وكلمات لها مدلول مثل” استقامة” ؛ فهو دليل نداء لسيف أن يستقيم ويراعي زوجته، واسم “شهد” فهو الجميل الأجمل من العسل، لكنه عسل مسموم، وكلمات يقولها سيف دالة على أنه سيفٌ مسموم مثل” أنا والاستقامة دونت ميكس” “أنا الرجل؛ أنا أقود”، ومشهد تركها في السوبر ماركت متعللا بملله من الزحام، وخرج يتصل بصديقته.
أجد الكاتبة أبدعت في تصوير الكوميديا، وأقول ثقل الهموم يضحك ويغلب عليه خفة الظل، حوت الرواية دراما اجتماعية وكوميديا اجتماعية، كما نجد الكاتبة وضعت نصب عينيها قضية هامة وهي قضية التعليم التي لم ينشغل بها حتى الأسر.
كما أجادت تصوير مشكلة هامة، وهي إرغام الأهل الأولاد دخول كلية ما، وتكون هي أول وآخر اهتماماتهم.
كما أبدعت الكاتبة في وصف مشهد البحيرة والبجع المحفور على زجاج باب المكتب، دليل الصراع الذي سوف تعيشه غادة فيما بعد، المليء بالنار التي يخمدها الماء، والبحيرة رمز لحياة غادة القصيرة، كما أبدعت الكاتبة في وصف ملابس غادة قبل ظهور سيف في حياتها وبعد ظهوره.
…………………….
👁️ عدد المشاهدات: 93