تعريف الجنس الأدبي أو تحديد مفهوم الجنس الأدبي
الجنس الأدبي في الحقيقة قضية إشكالية عند النقاد المتخصصين ناهيك عن المتذوق العادي للأدب , لأنه ليس هناك حدود فاصلة وقاطعة بين الأجناس الأدبية , فمن تعريفاته :
الجنس الأدبي شكل من أشكال التعبير له خصائص شكلية وخصائص في المضمون
فالشعر مثلا , لبه الإمتاع ,,
والنثر أو الخطابة أساسه الإقناع
فلو مالت قصيدة الشعر إلى الخطابة , قد لا تلامس الشعور وتذهب بالشعر إلى مناطق عقلية النثر ونثرية التفكير
وبناء عليه فنستطيع أن نتقبل ما يسمى ب (قصيدة النثر ) كجنس مستقل موَّلد عن الجنس الكبير وهو الشعر..
ولكن لا نطلق عليه قصيدة .. فهي عمل أدبي نعم وله خصائصه الفنية نعم , وإذا أجاد صاحب هذا العمل في بناء جملته وعبارته وبكارة تصويره قد يكون تأثير ما يكتبه أقوى من تأثير قصيدة الشعر
ذلك كما تقبلنا فرحين ومهللين لقصيدة التفعيلة التي هي تطور طبيعي للقصيدة الكلاسيكية العمودية ..
وإني لاعجب كل العجب ممن ينكرون قصيدة التفعيلة ( وبعضهم للأسف مثقفون ونقاد ) وينأون بها غن كونها شعرا , بل ويسفهون شعراءها , ويتهمونهم بالعجز عن إنتاج قصيدة الشعر الكلاسيكي .. في الوقت الذي أستطيع ويستطيع غيري ممن يكتبون اللونين ( الكلاسيكي والتفعيلة ) أستطيع أن أقول واثقا : لايكتب شعر التفعيلة باقتدار إلا من تمرس وخبر الشعر الكلاسيكي ذا الشطرين بأوزانه وشكل كتابته
أما عن تداخل الأجناس ,,
نعم قد تتداخل الأجناس الأدبية فنرى في الشعر بعضا من القص والسرد والحوار الداخلي , وبعض الأعمال السردية كالقصة والرواية قد يجنح صاحبها لشيئ من الغنائية الشعرية . مما دفع بعض النقاد بإطلاق مصطلح القصة الشاعرة .. على بعض القصص القصيرة .. وبعض الشعراء أطلقوا على قصائدهم القصيرة والتي بها حوار سرد ( قصيدة قصيرة جدا ) تماشيا مع ( ق ق ج ) قصة قصيرة جدا
وقصيدة الحطيئة الشهيرة ( وطاو ثلاثا .. )
وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ
. . بِتيهاءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما
أَخي جَفوَةٍ فيهِ مِنَ الإِنسِ وَحشَةٌ
يَرى البُؤسَ فيها مِن شَراسَتِهِ نُعمى
وَأَفرَدَ في شِعبٍ عَجُوزاً إِزائَها
….. …. ثَلاثَةُ أَشباحٍ تَخالُهُمُ بَهما
رَأى شَبَحاً وَسطَ الظَلامِ فَراعَهُ
…. ..فَلَمّا بَدا ضَيفاً تَسَوَّرَ وَاِهتَمّا
وَقالَ اِبنُهُ لَمّا رَآهُ بِحَيرَةٍ
…. أَيا أَبَتِ اِذبَحني وَيَسِّر لَهُ طُعما
وَلا تَعتَذِر بِالعُدمِ عَلَّ الَّذي طَرا
…. ….يَظُنُّ لَنا مالاً فَيوسِعُنا ذَمّا
فَرَوّى قَليلاً ثُمَّ أَجحَمَ بُرهَةً
… …وَإِن هُوَ لَم يَذبَح فَتاهُ فَقَد هَمّا
فَبَينا هُما عَنَّت عَلى البُعدِ عانَةٌ
. قَدِ اِنتَظَمَت مِن خَلفِ مِسحَلِها نَظما
عِطاشاً تُريدُ الماءَ فَاِنسابَ نَحوَها
…. …عَلى أَنَّهُ مِنها إِلى دَمِها أَظما
فَأَمهَلَها حَتّى تَرَوَّت عِطاشُها
….. .. فَأَرسَلَ فيها مِن كِنانَتِهِ سَهما
.
…………………………………….
أقول هذا النص المنسوب إلى الحطيئة يعد قصة درامية متكاملة العناصر القصصية فيها الشخصية وفيها السرد والحكي والزمان والمكان والدراما ..,, ولكنها رغم كل ذلك فهي قصيدة
فالتداخل وارد بين الأجناس وهو المولد لأجناس أدبية جديدة ,, فبعض الأجناس الأدبية الجديدة هي أشكال متحولة ومتحورة من القديم , بعدما استوفت مبررات بقائها
فحازم القرطاجني
في كتابه ( منهاج البلغاء ) في مفهوم الإحالة , يقول : (أحيانا يعمد الشاعر إلى الإحالة إلى قصة ما , قادرة على حمل التخييل
فالجنس الشعري والأدبي قد يخالطه ما يثري أدبيته من قصة أو دراما, تريه وتجعله مقبولا رغم تلك المخالطات الدرامية والسردية في طيات متنه )
وكذلك في العمل الروائي , لا نكاد نجد نصا سرديا خالصا فقد نجد في السرد ية الروائية بعض الشعر أو الرسائل أو قصة
وهذا ما يجعل العمل السردي مشوقا
فالحداثة الشعرية
ليست ابتداعا بل هي امتداد لجنس الشعر يحمل بذرته بكل تفريعات أجناسه
فالشعر جنس أدبي مستقل له خصائصه التي تحدده , وقد يلتقي الشعر مع أجناس أدبية أخرى
ثم نأتي إلى تساؤلٍ آخر
من الذي يصنع الجنس الأدبي ؟
إذا أخلص المؤلف لجنسه الجديد ووضع له آلياته ووصل للمتلقي
وتلقى المجتمع هذا الجنس الأدبي بالقبول وتبناه أصبح جنسا أدبيا
فرسالة الغفران
لأبي العلاء لم تجد صدى في الأدب العربي وقتها رغم أنها أثرت في الأدب الغربي . والكوميديا الإلهية لدانتي خير دليل على ذلك فقد تأثر دانتي برسالة الغفران في كوميدياه الإلهية تأثرا واضحا اعترف بها الغربيون قبلنا ,,
أما عن لماذا لم تنتشر رسالة الغفران في وقت كتابتها.. , أقول لأن المتلقي والناقد وقت خروج رسالة الغفران لابي العلاء كان مهتما بالشعر أيما اهتمام وكان الشعر ديوان العرب الذي ليس بعده ديوان
.
.
وخلاصة القول ., في نظرية الأنواع و الأجناس
الانواع الأدبية تتطور بتطور المجتمع وحاجات المجتمع الفكرية والروحية والجمالية
فهناك أجناس تظهر وتبقى في مقابل أجناس أخرى تتلاشى وتنقرض
وفكرة تقسيم الأدب إلى أنواع لم تكن جديدة .. فأفلاطون في كتابه الجمهورية
يميز بين ثلاثة أنواع من السرد ,,سرد أو تصوير و تمثيل أو كلاهما معا
,
كما أن أرسطو يرى في كتابه ( فن الشعر ) أن المضمون هو أساس التفريق بين النثر والشعر ,لأن الشعر ينقل الواقع المتخيل والمتصور ,.والناثر ينقل الواقع كما هو
وقانون الاحتمال عند أرسطو وفيه يكون أمام الشاعر ثلاثة احتمالات
1.ان ينقل الشيء كما هو ,,
2.. أو ينقله كما يكون
3.. أو كما ينبغي ان يكون
وبناء عليه يقسم أرسطو الشعر إلى ثلاثة أقسام , قسم يتحدث الشاعر عن نفسه السرد بضمير المتكلم ,والسرد بضمير الغائب . والمحاكاة
ويقسم المحاكاة إلى تراجيديا وكوميديا ,وقد حرص ارسطو بتمييز كل نوع عن الآخر وهو ما عرف ببقاء النوع ويعني أرسطو بهذا المصطلح
وأعني مصطلح (بقاء النوع )….وضع أسس موضوعية لكل نوع من الأنواع الأدبية من حيث الماهية والقيمة دون أن يتداخل نوع مع الآخر
وهذا المعنى لنقاء النوع ظهر واضحا إبان سيادة المذهب الكلاسيكي وكان أحد معايير الحكم الجمالي
وفي القرن التاسع عشر تلاشى الاهتمام بنقاء النوع إبان سيادة المذهب الرومانسي
ومن هنا قدم ارسطو الشعر على التاريخ لان الشعر معنيٌّ بالواقع المتخيل , والمؤرخ ينقل الواقع المتحقق
ومن هنا يقترب الشاعر من الفيليسوف لانه معني بالكليات أما المؤرخ والناثر معنيان بالتفصيل والتقرير
وهناك فروق بين الشعر والنثر
الموسيقى واللغة المضمون ومضمون الشعر هو الشعور ومضمون النثر هي الفكر الوصفي والتقريري فالشعر يحرك الوجدان والنثر يتعامل مع العقل غالبا
فيا أصدقائي , ويا صديقاتي ويا أيها المهتمون بالأدب والنقد الأدبي
.. اتركوا الأجناس الأدبية تمر وتتبلور . , وتحيا , وتجاور بعضها البعض ولا ترفضوا جنسا ما ., لعدم قدرتك على استيعابه , أو لتحجر عقلك أمام فكرة لا تستطيع أن تتقبل غيرها
والزمن والمتلقي كفيلان بتميز كل جنس أدبي وبقائه أو تلاشيه من خلال ما يضعه الجنس الأدبي لنفسه من مبررات حضوره وبقائه بقبول المتلقي له , ووقتها إما أن يبقى أو تأكله الأجناس الأخرى
……………………………..
👁️ عدد المشاهدات: 140
