Skip links

مَمَرٌّ لا مَقَرٌّ – (النفاق) – بقلم الشاعر/ أشرف عزمي .. مصر

عندما يتلون الوجه وتظل الروح عارية
النفاق، في جوهره، ليس كذبا فقط، بل خوف من مواجهة المرآة؛ تلك المرآة التي تفضح تلعثم الروح قبل أن تفضح ارتباك اللسان.
هناك لحظة في حياة الانسان، يظن فيها انه قادر على ارتداء ملامح ليست له، كما يرتدي معطفا مستعارا في ليلة باردة، معتقدا ان الليل لن يميز رائحة الجسد من رائحة القماش.
في تلك اللحظة، يبدأ النفاق في مد خيوطه، خيطا من خوف، وآخر من رغبة، وثالثا من هشاشة تتخفى خلف ادعاء القوة.
والنفاق ليس مجرد ازدواج في القول، بل هو هندسة خفية للروح، اعادة ترتيب قسرية لما يجب ان يبدو عليه ظاهرنا بينما الحقيقة تركل في الداخل كغريب لا يعرف ملامحه احد.
يعرف القرآن هذه المنطقة المظلمة من النفس جيدا:
“في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا” (البقرة: 10)
جملة موجعة لأنها لا تتحدث عن فعل، بل عن حالة، عن طقس داخلي يستوطن القلب كما يستوطن الضباب نافذة غرفة مهجورة.
كما ان النفاق كما قال بعض الفلاسفة، “عملية انفصال تدريجي بين الذات وصورتها”، كأن الانسان ينسلخ من جلده ليصنع صورة جديدة ويصدقها، ظنا منه ان العالم سيصدقها معه.
ولعل اعمق ما قيل في النفاق النبوي الشريف:
“آية المنافق ثلاث: اذا حدث كذب، واذا وعد اخلف، واذا اؤتمن خان.”
لكن هذه الثلاث ليست مجرد سلوكيات، بل هي علامات سقوط داخلي… انقطاع في التيار الذي يصل القلب بالعالم.
ثمّة شيء رومانسي قاس في فكرة النفاق، ليس لأنه جميل، بل لأنه يذكرنا بما فقدناه: الصدق.
الصدق ليس فضيلة فحسب، بل هو حالة عري، جراءة ان ترى كما انت، بلا رتوش ولا مساحيق.
والانسان المنافق يشبه عاشقا جبانا: يريد ان يحب، لكنه يخاف ان يرى.
احيانا اتصور النفاق كمدينة من مرايا، كل وجه فيها ينعكس الاف المرات، حتى يصبح الاصل غامضا، ويصبح الظل اكثر قوة من الجسد.
مدينة لا يكون فيها الليل ليلا، ولا النهار نهارا، لان الضوء نفسه صار مراوغا… تماما كما في حياة المنافق، لا حقيقة كاملة، ولا كذبة مكتملة، فقط مزيج مائع بين هذا وذاك.
القرآن عندما تحدث عن المنافقين لم يصفهم فقط، بل كشف بنيانهم الداخلي:
“يخادعون الله وهو خادعهم” (البقرة: 9)
وكأن النص يقول ان الخداع في حد ذاته لا يقود الا الى دائرة مغلقة، دائرة لا تسمح لصاحبها لا بالخروج ولا بالدخول، لأنه اصبح سجين صورته التي صنعها بنفسه.
ومن زاوية فلسفية، يمكن للنفاق ان يكون صنيعة خوف من الحرية؛ فالانسان اذا صار حرا صار مسؤولا عن صورته الحقيقية، اما المنافق فهو شخص يهرب من هذه المسؤولية، فيختبئ خلف قناع يمنحه الامان المؤقت، لكنه يسرق منه روحه تدريجيا، كما تسرق الامواج اقدام العابر على الرمل.
ربما لهذا كان المنافق اكثر هشاشة مما يبدو، واكثر الما مما يظن.
فالنفاق ليس قوة، بل انكسار صامت، انهيار يحدث ببطء لدرجة ان صاحبه لا يسمعه الا عندما يصبح الخراب كاملا.
وفي اللحظة التي يسقط فيها القناع ( لان كل الاقنعة مصممة للسقوط ) يقف الانسان امام نفسه لاول مرة، عاريا من الادعاء، منهكا من الركض، مرتبكا من مواجهة ما حاول اخفاؤه طويلا.
هنا فقط يستطيع القلب ان يتنفس.
وهنا فقط يدرك ان الصدق ليس فضيلة اخلاقية فحسب، بل ضرورة وجودية:
الطريق الوحيد للخلاص من شبكة الوجوه المزورة.
النفاق…
ليس عيبا اجتماعيا فقط، بل سؤال وجودي:
كيف نكون انفسنا في عالم يطالبنا كل يوم بان نكون احدا اخر؟
فدعونا نجتهد لنكون حقيقيين
ونتذكر دائما انها ممر لا مقر

…………….

الى الجمعة القادمة

👁️ عدد المشاهدات: 447

Leave a comment

error: Content is protected !!
arArabic
Explore
Drag