
إنه الحق المكروه، يؤرقنا ونغشاه رغم علمنا أن “كل مولود ميت”
الموت … الحقيقة الأزلية التي لا مهرب منها، الرحلة الحتمية التي تنتظرنا جميعًا بلا استثناء.
هو حق ثابت لا يقبل الإنكار، ليس عدوًا يبعث فينا الرعب، بل هو جزء طبيعي من دورة الحياة؛ نهاية لمرحلة بداية لأخرى، وبداية لقاء مع الله سبحانه وتعالى.
في جوهر خوفنا من الموت يكمن جهلنا بحقيقته.
كثيرًا ما نراه نهاية مظلمة، لكنه في الحقيقة بداية أسمى، حيث تلتقي الروح بخالقها في سلام وسكينة لا توصفان.
ففي القرآن الكريم: “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ” (آل عمران: 185)، تذكير دائم بأن الموت حق لا مفر منه وبوابة الفائزين برؤية الله لمن أحسن عمله في الدنيا.
وقال سقراط: “الموت ليس شرًا، بل هو إما نوم خالٍ من الأحلام أو رحلة تنتقل فيها الروح إلى عالم أفضل.”
الموت يعيدنا إلى أصلنا الذي لا مهد له ولا مقر، لكنه أيضاً مدرسة نتعلم فيها كيف نعيش بلا خوف، كيف نُهيئ أنفسنا للرحيل بسلام.
وقال ابن عربي: “الموت هو الحقيقة التي تنقلنا من حال إلى حال، من الدنيا إلى دار القرار.” بهذا الفهم نعيش بوعي أعمق ونتحرر من رهبة النهاية.
وأجمل ما في الموت أنه بداية للفوز الأعظم، اللقاء برب العالمين، كما يقول الله تعالى في سورة الفجر: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي” (الفجر: 27-30).
هو نيل السكينة والراحة الأبديتين، حيث تزول كل المعاناة.
لذا، لا يكون الموت عدوًا يخيفنا، بل دليلًا إلى السلام الحقيقي، وفرصة لبداية جديدة رائعة. استقبلوه بشجاعة، واهدؤوا بالعمل الصالح، فالموت بداية الحرية وأعظم لقاء.
وأدعو الله لي ولكم أن يقدرنا على العمل الصالح فهو السلاح الحقيقي في مواجهة الموت، والتقرب إلى الله هو السبيل للسكينة الحقيقية في القلب.
ولا نجعل زخارف الدنيا تغرينا أو تعمي بصيرتنا عن الحقيقة الأبدية، فالدنيا زائلة وزينتها زائلة أكثر، وما تبقى لنا هو الأعمال التي نزرعها في أرض الآخرة.
استعد للموت بتطهير النفس، بالإحسان، بالذكر، وبكل فعل يقربك من رحمة الرحمن، لأن الحياة الحقيقية تبدأ حين نودع هذا العالم بكل رضا وإيمان.
ولنتذكر دائمًا أنها مَمَرٌّ لا مَقَرٌّ …
إلى الجمعة القادمة
…………………………
👁️ عدد المشاهدات: 29