وكأن الشتات الفلسطيني وزّع بقعَ الضوء على العالم!
أكان جرحُ الهوية مسرحاً في برودواي؟ أم أن الحكايةَ تتمدد بآلامها كلما شاخت في زمنٍ يرتدي قميص الرياء؟
«لا أستطيعُ النوم ليلاً وأنا أعلَم عدد الأطفال العرب الذين يولدون في الليلة نفسها» قالت غولدامائير، قبل عام من ولادة سهير حمّاد الشاعرة الفلسطينية الأصل الأميركية الجنسية، مدركةً ربما أن هؤلاء الأطفال سيتوزعون ما بين ثائر وشاعر، إذن سوف تطول المقاومة بالفن وليس بالبندقية وحدها ولا بمفاوضات كاذبة!
عن المسافة الفاصلة بين التاريخ وخيوط الشمس المتسرّبة من رحلة البحث عن الذات تكتب سهير حمّاد، في محاولة لمقاومة المحو الثقافي والتاريخي لوعي الفلسطيني الغائب في الحضور الأميركي! مبكراً تشربت الشعور بالخسارة بمواجهة الغصة التي ابتلعت عائلتها مع طردهم من مواقع تشمل الأميركيين الفلسطينيين. تقول حمّاد إن حياتها في بروكلين التي اتخذتها أسرتها ملاذاً للجوء لا تختلف كثيراً عن القصص المأساوية التي سمعتها عن حياة والديها في الشرق الأوسط، فعندما هاجرا إلى بروكلين في نيويورك كانت تبلغ من العمر خمس سنوات، حينها كانت الملاذات العربية مكانا آمناً للموت البطيء!
وعلى الرغم من اختلاف المكانين، كانت منطقة «اللد» الفلسطينية، التي لم تزرها إلا في ذاكرة والديها، وبروكلين ـ كمكان يغص بعنف ببعض المهاجرين الأفارقة ـ متشابهتين في ذهنها!
كان سماع الشعر والنشيد الوطني الفلسطيني زادها وإخوتها، حتى ان والدها أكد لها أن بعض المناضلين كانوا شعراء يكتبون قصائدهم بالبنادق!
ولأنها تشعر بالعزلة، طوّرت سهير حمّاد هواية القراءة والكتابة، وعبأت ذاكرتها بحكايات أهلها وأقاربهم في الأرض المحتلة؛ انغمست مع الأطفال الأفارقة المهاجرين في حيّها، فوجدت أن قصصهم متشابهة وإن اختلف المكان أو اللون! لذا كانت تستمد حريتها وصوتها الخاص من خلال الشعر، لا سيّما أن الأميركيين كما تقول: «يريدون فرض الرقابة والحط من قدر أي شيء بمجرد ألا يفهموه». ومع هذا الشعور لم تحقق رغبة والديها في جلباب المحاماة أو الطب، فسعت لتحقيق حلمها في أن تصبح شاعرة وممثلة، التحقت بكلية هنتر لدراسة الأدب عبر الثقافات، وكذلك قضايا المرأة.
شاعرة توحّد التنوع
ولدت سهير حماد في أكتوبر 1973 في الأردن، انتقلت عائلتها إلى بروكلين في نيويورك عندما كانت طفلة، ونشأت بين العديد من مجموعات الأقليات – البورتوريك، والأفارقة، والدومينيكان، والهايتيين، وخلقت منها رغبتها العميقة في تجاوز الحواجز الثقافية والدينية شاعرة توحّد التنوع.
الانغماس في مجتمع مهاجرين أثرى تجربة حمّاد في «الهيب هوب»، وهي موسيقى شعبيّة طوّرها الأميركيون الأفارقة واللاتينيون في نيويورك منذ عام 1970 للتعبير عن الفقر والبطالة والعنصرية والظلم ليصبح هذا الفن ثقافة مجتمعية، وكانت حماد تنسج قصائدها من خيوط الألم معتمدة على إرث فلسطيني.. وكان «الهيب هوب» يصافح أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، اللذين تأثرت بسماعهما منذ طفولتها كونهما المفضلين لوالديها.
ورغم أن كثيراً من الشاعرات العربيات يفضلن تشريح قلوبهن على طاولات المقاهي وسط دخان كثيف يعكس حرقة عاطفية فقط! لم تشغلهن قضايا الفكر ولا الحروب، وقد بنَين أكواخهن على سطح القمر، فإن سهير كانت تستخدم قصائدها لإظهار وجهة نظرها السياسية تجاه العالم، كانت تعبّر عمن نزحوا من أوطانهم مجبرين، تكتب عن فلسطين: «شوق لأرض لم أشعر بها بعد تحت قدمي!»، وتشير إلى أن القصف الإسرائيلي للبنان أحدث انتقالاً في أسلوبها وخلق لغة جديدة، خصوصاً في ديوانها «كسر القصائد» الذي حاولت فيه إعادة بناء اللغة الإنكليزية عبر دمجها بالعامية العربية وموسيقى الهيب هوب.. و«ما البلل الذي يصب على ورقتك من قلمك؟.. نأتي جميعاً من الماء، يمنحنا انعكاساً، إنه تطهير، عليك أن تنمو داخل نفسك».
في ديوانها مزجت كلمات عربية مثل «أنا وحرب ونار» لتقدم اللغة العربية لجمهورها في الغرب حتى تبدد الانطباعات النمطية بلغة يقرنها الآخرون بالإرهاب والتطرف!
وتوضح: «إن الفنانين والشعراء يحملون مسؤولية كبيرة في تبديد هذه الأحكام الخاطئة، وإعطاء وجه لمعاناة الناس وتأكيد حقهم في أن يحلموا ويعيشوا ويعشقوا».
القبول الثقافي
نيويورك علّمت سهير حمّاد القبول الثقافي، وأثّرت عليها لتنظر بشكل أعمق لقضاياها، فعندما كانت في العشرينيات من عمرها، شعرت بأن عليها إيجاد صلة بين قصائدها وتراثها، وكذلك اكتشاف هويتها.. وكان أول تعبير عن هذا التشرد في بروكلين قبل الانطلاق من مسارح برودواي ديوانها الأول «ولدت فلسطينية، ولدت سوداء».. ثم ديوانها «قطرات من هذه القصة».. وبعد أسبوع من أحداث 11 سبتمبر 2001، نسجت سهير قصيدة بعنوان «الكتابة الأولى منذ ذلك الحين» ترجمت إلى 12 لغة، ونشرت في عشرات المجلات وطافت العالم.. و«لن أرقص على طبول الحرب، لن أعرض روحي أو عظامي، لن أرقص على دقاتك، أعرف إيقاعك، إنه بلا حياة».
تُعرّف سهير حماد الحاصلة على جائزة الكتاب الأميركي في 2009 المسافة بين التاريخ والأمل بأنها مساحة من الصمت ورحلة نمو وبحث عن الذات.. تقول سهير: «عندما كبرت، لم تكن لدى أحد فكرة عمّن هم الفلسطينيون حقاً، باستثناء أن يُنظر إليهم على أنهم خاطفون! كنت أحتاج جداً لأن أقول أولاً: أنا لست مختلفة. أنا مثلك، أستمع إلى الموسيقى ذاتها التي تستمع إليها، وأتحدث اللغة نفسها. وحين أكون مختلفة، فهذا ليس فرقاً سيئاً».
كان دور سهير حمّاد في فيلم «ملح البحر» حول فتاة أميركية تحاول العودة إلى فلسطين ولا يسمح لها بالحصول على الجنسية الفلسطينية.. يستكشف دورها كممثلة تجربة المكان، بينما تحاول أيضاً العثور على نفسها.
سهير حماد أميركية تجري في دمها حضارة كنعان وتحمل هموم الشتات الفلسطيني، فيما أن بعض الشاعرات العربيات يرين شعلة تمثال الحرية مقعداً لعاشقين يطرزان الغيوم بالورد!
………………..
👁️ عدد المشاهدات: 100
