ليست رواية عن القطط بقدر ما هي رواية عن العدل حين يغيب، وعن القِسمة حين تختل، وعن الإنسان حين يتوهم أنه مركز الكون.
تنطلق الرواية من قرية مصرية، لكنها لا تقيم طويلًا في الجغرافيا، سرعان ما تتجاوزها لتصنع مجازًا واسعًا عن السلطة، والميراث، والخوف، والحق، والمحرومين من “النصيب المعلوم” في عالم تحكمه قسمة جائرة، لا ترى إلا من يملك، ولا تسمع إلا من يفرض صوته.
يبني طلال سيف روايته على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها:
كل كائن له نصيب، وحين يُنكر هذا الحق، لا يختل ميزان البشر وحدهم، بل يختل ميزان الطبيعة ذاتها.
القطط هنا ليست ديكورًا سرديًا ولا عنصرًا هامشيًا، بل كائنات رمزية تمثل المهمَّش، والمقموع، والمنسي.
تتحول عبر السرد إلى مرآة تعكس أفعال البشر ونواياهم، حتى يبدو مصير الإنسان والقط متشابكًا، لا فكاك لأحدهما من الآخر.
لغة الرواية مشبعة بروح الحكاية الشعبية، ومسندة بجمل شعرية مكثفة، لا تُغرق النص في الزخرف، بل تمنحه عمقًا وتأملًا.
السارد واعٍ بدوره، متردد، كثير الشك في نفسه وفي العالم من حوله، وهو تردد لا يُضعف السرد، بل يمنحه بعدًا فلسفيًا يتجاوز الحدث إلى السؤال:
من يستحق؟
ومن يقرر؟
ومن يملك حق القِسمة؟
تعتمد الرواية على لغة مشحونة بالرمز والتأمل، حيث تتقدم الفكرة أحيانًا على الحدث، ويتحول السرد إلى مساحة تفكير مفتوح.
وتأتي بعض المقاطع محملة بدلالات متراكبة، كما في مشاهد القطط والجوع والصمت، بما يثري النص دلاليًا، وإن كان يفرض على القارئ جهدًا تأويليًا مضاعفًا.
وقد يلحظ القارئ أحيانًا إيقاعًا تأمليًا على حساب الحركة السردية، كما في قوله:
(كان يفكر أكثر مما يتحرك، كأن الفكرة صارت فعلًا بديلًا عن الفعل)
كما تتجلى كثافة الرمزية في مشاهد مثل:
(لم تكن القطط جائعة وحدها، كان الجوع يسير في الشوارع بوجوهٍ بشرية)
وتختار الرواية نهاية مفتوحة، لا بوصفها تهربًا من الحسم، بل باعتبارها امتدادًا للسؤال:
(لم ينتهِ شيء… كل ما حدث أن الدائرة اتسعت)
هذه ليست رواية كُتبت للتسلية، بل للمساءلة، كما في عبارتها الكاشفة:
(العدالة لا تأتي حين نطلبها، بل حين نتوقف عن التواطؤ مع غيابها)
وقد تتقارب الأصوات السردية في وعيها الفلسفي، كما في:
(نحن لا نُؤكل لأننا ضعفاء، بل لأننا اعتدنا الصمت)
غير أن هذا التقارب لا يكشف ضعفًا فنيًا، بقدر ما يعكس وحدة الرؤية وهيمنة السؤال الأخلاقي على جميع الشخصيات.
تتداخل في النص ثيمات السلطة والقرابة، الفقر والثراء، الإيمان والخرافة، العدل والانتقام، في نسيج سردي متماسك، تتحرك فيه الشخصيات داخل دائرة قدرية، فكل محاولة للهيمنة تُقابل بانكسار، وكل تجاوز لميزان العدل يستدعي عقابه، ولو بعد حين.
الرواية لا تصرخ، لكنها تُربك.
لا تُدين مباشرة، لكنها تفضح.
ولا تُقدم إجابات جاهزة، بل تترك القارئ أمام مرآة قاسية يسأل فيها نفسه:
هل ما نأخذه حقًا هو نصيبنا؟
أم أننا سرقنا أنصبة الآخرين، ثم دهشنا حين اختل العالم؟
إنها رواية عن العدالة بوصفها ضرورة كونية لا ترفًا أخلاقيًا،
وعن أن الظلم — مهما بدا صغيرًا —يوقظ الطاعون في المهد.
……………….
👁️ عدد المشاهدات: 331
