
في زحام هذه الحياة المتسارعة، حيث تتشابك الأصوات وتتراكم التفاصيل، يباغتنا الحنين كزائرٍ لا يُطرق الأبواب. يأتي فجأة، من أغنية عابرة، أو رائحة عطرٍ قديم، أو حتى ضحكة تشبه ضحكة شخصٍ عرفناه ذات قُربٍ واختفى.
الحنين ليس مجرّد استذكارٍ جميل لأيامٍ مضت، بل هو ثقافة متجذّرة في أعماق الإنسان. هو امتداد روحيّ للذاكرة، وشكلٌ من أشكال الوفاء لما مضى. نحن لا نُحبّ الماضي فقط لأنه مضى، بل لأنه كان يحمل نسخًا أنقى منّا، أكثر خفّة، أقل قلقًا، أكثر إيمانًا بالحلم، وأشدّ تعلقًا بالتفاصيل الصغيرة التي لا تُشترى.
إن ثقافة الحنين لا تُعلَّم في المدارس، ولا تُكتب في المناهج، بل تنمو فينا مثل الشجرة التي ترتوي من المطر الأوّل. نكبر، ونحمل معنا صورًا مطويّة، أصواتًا محفوظة في الأذن، حكايات لم تُكتَب لكنها عاشت طويلاً فينا. نتشبث بأشياء خفيفة؛ فنجان الشاي مع الجدة، المذاكرة تحت ضوء أصفر باهت، نداء الوالدة من المطبخ، صوت المؤذن وقت المغرب، وتلك الضحكات التي كانت تملأ البيت دون إذن.
ثقافتنا العربية، بطبعها، حنونة على الماضي. نحبّ أن نحفظه ونُردّده ونعلّقه على جدران الذاكرة. في الأغاني، في القصائد، في الحكايات الشعبية، وحتى في الأمثال؛ نجد للماضي مكانةً لا يمسّها النسيان. وليس من قبيل الصدفة أن تجد أغلب الأغاني المحبوبة تبدأ بـ “يا ليت”، أو “تذكرتُ”، أو “كان يا ما كان”.
وليس الحنين ضعفًا كما يدّعي البعض. بل هو نوع من الرُقيّ الشعوريّ، يُعبر عن ذائقة داخلية عالية، وعن إحساسٍ إنسانيّ رقيق لا يزال يُقدّس المعنى ويبحث عن الدفء.
الحنين لا يُعيقنا عن التقدّم، بل يحمينا من التصلّب، من النسيان، من الجفاف الروحي. هو الرتوش العاطفية التي تظل تزيّن جدران قلوبنا، رغم كل ما يتغير من حولنا.
ولأنّه أقرب ما يكون إلى “الحنان”، فليس عجبًا أن نرتبط به لحظة ضعف، أو حين تخذلنا الحياة، أو حين يغيب من نحب. نعود للماضي لا لنعيد عجلة الزمن، بل لنستعير منه دفئًا نحتاجه الآن.
قد يكون بيت الطفولة قد هُدم، وقد تكون الطرقات تغيرت، لكنّ في داخلنا خريطة لا تموت، تحفظ الملامح والألوان والوجوه، وكأنّها التقطتها بعين القلب لا عدسة العين.
نحن لا نشتاق إلى الأمكنة فحسب، بل نشتاق إلى أنفسنا فيها.
نشتاق إلى “نحن” عندما كنّا نضحك دون خوف، ونركض دون حساب، ونحلم دون قيد.
نشتاق إلى عفويتنا، إلى ثقتنا البريئة، إلى دهشتنا الأولى، وإلى أول مرّة صدّقنا فيها أن الدنيا تستحق الحب.
الحنين في جوهره هو مرآة، نرى فيها أصدق نسخنا.
وقد نكون تغيّرنا كثيرًا، تآكلَ فينا الصبر، وبهتت بعض الألوان، لكنّ الحنين يُعيد تشكيل القلب بطريقة ما، يرمّمه، يُذكّره، يهمس له بأنّه كان يومًا ممتلئًا بالحياة.
في كل بيتٍ شرقيّ، ستجد ركنًا للذكريات. صندوقًا خشبيًّا، أو درجًا مليئًا برسائل قديمة، أو دفتراً كُتبت فيه الخواطر الأولى.
وفي كلّ مجلسٍ، ستجد من يبدأ الحديث بعبارة: “تذكُر يوم كنّا…”
وهكذا، لا يموت الماضي فينا، بل يتحوّل إلى ظلٍّ ناعم يرافقنا بهدوء، يُربّت على أرواحنا، ويخبرنا أن الزمن، وإن جار، لا يستطيع أن يسلبنا ذاكرتنا.
الجميل أن ثقافة الحنين لا تعني الهروب من الحاضر، بل تعني احترام الطريق الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه. تعني الامتنان للخطوات الأولى، للمحطات الأولى، وللبدايات التي شكلتنا.
فليس هناك مستقبل متين دون جذور.
والحنين… هو تلك الجذور التي تربطنا بكل ما هو حقيقي، دافئ، وأليف.
فلنحتفظ به، لا كعبء، بل كذخيرة شعورية، كصديقٍ قديمٍ لا يملّ من الإصغاء، كنافذة نفتحها كلما ضاق الأفق، وكلما نسينا كيف كنّا نحبّ الحياة دون شروط.
……………………………..
👁️ عدد المشاهدات: 43