Skip links

(بين العطش والفيض: أنوثةُ الساقي في خطاب العشق) – قراءة في ديوان (وكشفت عن ساقِيها) للشاعرة/ شيراز جردق – أشرف عزمي

في ديوان (وكشفتْ عن ساقِيها) للشاعرة/ شيراز جردق لا تكمن الدهشة في جرأة العنوان، بل في كسرةٍ صغيرةٍ تحت القاف.

تلك الكسرة التي تحول الساق من عضوٍ إلى ساقٍ، من جسدٍ إلى سقيا، من انكشافٍ حسي إلى انفتاح مورد.

هنا لا تُكشف امرأة، بل يُكشف نبع. لا يُرفع سترُ جسد، بل يُرفع غطاء كأسٍ مملوءة بالمعنى. ومنذ اللحظة الأولى، نفهم أن الديوان لا يطلب قارئًا بقدر ما يطلب ظمآنًا.

في الإهداء تهمس الشاعرة:
وأنتَ تفتح هذا الديوان

كأنك تفتح بابًا موصدًا

فلتطرق الباب بفؤادك لا بيدك.
الطرْق هنا ليس حركةً خارجية، بل استعدادًا داخليًا. اليد لا تكفي؛ القلب هو الإناء. وكأن القصيدة تعلن أنها لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُرتشف ارتشافًا.

إنها كتابة تتعامل مع المعنى بوصفه سائلًا، ومع اللغة بوصفها خمرةً رمزية، ومع العشق بوصفه عطشًا أبديًا.

الحب في هذا الديوان لا يُقدم كحكاية بين اثنين، بل كحالة وجودية تفيض عن حدود العلاقة. في نصوص كثيرة يتكرر النداء، ويتكرر الإصرار على الاستمرار في (حتى آخر الأنفاس)، ويظهر التوتر في (على شفة الموت).

هذا التلازم بين العشق والحد الأقصى للحياة يشي بأن السقيا هنا ليست تسلية عاطفية، بل تجربة حدية.

الشرب لا ينهي العطش؛ بل يوسعه.

كل كأس تُفضي إلى رغبة في كأسٍ أخرى، وكل اقتراب من الامتلاء يكشف اتساع الفراغ الداخلي.

وكأن الشاعرة تعي أن الظمأ هو جوهر الكينونة، وأن الساقي الحقيقي لا يروي، بل يُذكر بالعطش.

غير أن المفارقة الأكثر عمقًا أن الساقي في هذا الديوان أنثى. ليست موضوعًا للرغبة، بل مصدرًا للفيض. هي التي تكشف، وهي التي تمنح، وهي التي تعلن في لحظة صفاء: (أنا روح القصيدة).

هذا التصريح ليس غرورًا، بل وعيًا بالتماهي بين الذات والنص. حين تقول (أنا روح القصيدة) فهي لا تصف دورها، بل تعرف كينونتها.

القصيدة ليست شيئًا تكتبه؛ بل هي ما تكونه.

ومن هنا يصبح فعل السقيا فعلًا وجوديًا: الشاعرة تسقي لأنها ممتلئة، أو ربما لأنها تعرف معنى الفراغ.

ويمتد هذا الفيض من الخاص إلى العام، من الحبيب إلى الجغرافيا.

حين تحضر (بيروت) في النص، لا تأتي مدينةً عابرة، بل ذاكرةً عربيةً كاملة، جرحًا مفتوحًا يصر على أن يبقى جميلًا.

وحين تقول (المجد هو الشعر) فهي لا تكتب عبارة بلاغية، بل بيانًا ثقافيًا.

المجد هنا لا يُصنع بالسيف، بل بالكلمة؛ لا يُخلد بالقوة، بل بالقصيدة.

وكأن السقيا تتحول من علاقة فردية إلى فعل ثقافي، من كأس بين اثنين إلى نهرٍ يعبر الأمة.

لغة الديوان فصيحة، ذات إيقاع تقليدي في بنيتها، لكنها مشبعة بانفعال حديث. ليست حداثةً شكلية، بل حداثة في زاوية الرؤية.

الصور تنبثق من الداخل، لا من زخرفة خارجية.

العاطفة واضحة، لكنها ليست ساذجة؛ إنها عاطفة تعي نفسها، وتعرف أنها تُغامر على حافة الفناء.

في مقاطع عديدة يتجاور الحب والموت، الأنفاس الأخيرة والكلمات الأولى، وكأن القصيدة تولد حيث يقترب الجسد من نهايته.

هذا التوتر يمنح النص حرارةً صادقة، ويجعل السقيا أكثر كثافة: كل رشفة تحمل احتمال الوداع.

حتى الاسم، حين تعلن في قصيدة (أنا شيراز)، يتحول إلى علامةٍ رمزية.

شيراز – بما يحمله الاسم من تاريخٍ شعري فارسي ومن رمزية النبيذ والحدائق – يصبح امتدادًا خفيًا لفعل السقيا.

الاسم ليس توقيعًا بل قدرًا.

وكأن الشاعرة تعيد كتابة نفسها داخل إرثٍ شعري طويل، وتضع كأسها في سلسلة كؤوسٍ سابقة، لكنها تمنحها مذاقها الخاص.

(وكشفتْ عن ساقِيها) ليس ديوانًا عن الجسد، ولا عن الغواية، بل عن الفيض.

عن اللحظة التي ترفع فيها القصيدة غطاءها وتقول: هذا هو مائي، فاشرب إن استطعت.

هو نصٌّ عن العطش أكثر مما هو عن الامتلاء، عن البحث أكثر مما هو عن الوصول، عن أن تكون السقيا طريقًا لا نهاية.

والكسرة الصغيرة تحت القاف ليست تفصيلًا لغويًا، بل بوابة تأويل كاملة؛ منها ندخل، ومنها نرتوي، ومنها نفهم أن العشق – في هذا الديوان – ليس امتلاكًا، بل مشاركة في كأسٍ لا تنفذ.

إنه ديوان يراهن على أن الجمال ليس في الامتلاء، بل في لحظة السكب.

وأن الساقي الحقيقي لا يقدم الشراب فحسب، بل يقدم نفسه مع كل كأس.

وحين تكشف القصيدة عن ساقِيها، فإنها لا تتعرى، بل تتطهر؛ لا تُثير، بل تُنير؛ لا تدعو إلى النظر، بل إلى الشرب.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا في فضاء النص: هل نبحث عن الحب كي نرتوي، أم نبحث عنه كي نظل عطاشى؟ وربما كانت إجابة شيراز جردق واضحة بين السطور: أن العطش نفسه هو المجد، وأن الشعر هو الكأس التي لا تنكسر.

……………….

 

👁️ عدد المشاهدات: 35

Leave a comment

error: Content is protected !!
arArabic
Explore
Drag