Skip links

بينك وبين الكتاب… المسافة التي تضيء (في رحاب معرض الشارقة الدولي للكتاب 44) – أشرف عزمي

الشارقة التي تُشبه كتابًا مفتوحًا على البحر، تُشرق كل عام كأنها تعيد للعالم ذاكرته.
من بين جدران إكسبو الشارقة تتصاعد رائحة الورق القديم ممزوجة برائحة المطبوعات الجديدة، فيصير المكان أشبه بسيمفونية حبر وماء، يرقص فيها القارئ والكاتب، والمدينة تتحول إلى مكتبة تمشي على الأرض.

تحت شعار دافئ كالعناق، “بينك وبين الكتاب”، شعار يهمس لا يصرخ، كأنه يقول إن القراءة علاقة لا حدث، انطلقت الدورة الرابعة والأربعون من معرض الشارقة الدولي للكتاب.
شعار يبدو بسيطا، لكنه يخفي فلسفة كاملة عن العلاقة الحميمة بين الإنسان والكلمة، تلك المسافة الشفافة، التي تفصل بين العيون والصفحات، بين الفكرة والنبض.
إنه ليس شعار معرضٍ فحسب، بل اعتراف صريح بأننا لا نقرأ الكتب بأعيننا فقط، بل بأرواحنا أيضا.

ظهر صاحب السمو الشيخ الدكتور/ سلطان بن محمد القاسمي، في مراسم الافتتاح وهو يحنو على طفلين كجد تتسلل الحكمة من عينيه، وقف ليس كسياسي يصوغ خطابًا فحسب، بل كأمين على ذاكرة جعل من حفظها مهمة شخصية، كحكاء يدهشك بفيض تجربته ولغته وصوته حيث عاد بصوته الهادئ إلى جذور المدينة، استحضر أول مكتبةٍ وُلدت عام 1925، وأعلن افتتاح المرحلة الأولى من مشروعٍ موسوعيٍّ ضخم: الموسوعة العربية الشاملة في أربع وأربعين مجلدا، عمل يمتد حتى 2028 ويبدو كأنه يرسم للذاكرة العربية خارطةً جديدة.

من أهم ما جاء في كلمة سموه: “إن مشروعنا الثقافي لا يُبنى على الحجارة، بل على العقول التي تنير دروب الأمة.”
تلتمس من حديثه أنه يؤكد أن الثقافة ليست رفاهية بل رهان على البقاء.

المعرض هذا العام جاء بروح مفعمة بالحياة:

أكثر من 2,350  دار نشر من 118  دولة، وأكثر من 1,200  فعالية تضجّ بالحوارات، الورش، الأمسيات، واللقاءات التي تجعل من المكان مساحة لاكتشاف الذات عبر عيون الآخرين.

ليست الأرقام وحدها ما يهم، بل تنوّعُ الأصوات واللغات والوجوه التي تمشي بين الرفوف، كأن كل جناح محطة تعيدك إلى وطن لم تعرفه من قبل.

حضرت اليونان كضيف شرف هذا العام، فجاء معها صدى الفلسفة القديمة ورائحة الأساطير. لقاء الحضارتين هناك شبيها بحوار طويل بين جدّين، أحدهما يهمس عن البديهيات والآخر يستجيب بجذور عربية عميقة.

في أجنحة اليونان الفكر يتقاطع مع الشعور يصبح حوارا حقيقيا، لا فقط عرضا للتراث.

أكثر ما يجعل هذا المعرض مختلفًا هو أنه لا يحتفل بالكتاب كمنتج تجاري فحسب؛ بل كمكان للقاء.

في زاوية للأطفال تحكى قصص تجعل الحروف تقفز من الصفحة، وفي ورشة أخرى يتعلم طفل صغير كيف يحوّل فكرته إلى قصة.

دور النشر لا تعرض إصداراتها فحسب، بل تقدم دعوات للقراءة والانخراط والعمل الثقافي.

وها هنا تكمن القوة: أن تكون القراءة طقسًا يوميًّا لا مجرّد حدث سنوي.

خطت الشارقة خطوة عملية حين خصصت مبالغ لدعم المكتبات العامة بشراء الإصدارات؛ ليس كمظهر إداري، بل كإعلان واضح أن الكلمة تحتاج رعاية.

هذا الاستثمار، في عيون من يقرأون وفي أرشيف من سيأتي بعدنا، يذكر بأن الثقافة تغرس وتروى كي تعطي ثمارها.

أما الموسوعة العربية التي أعلن عنها سموه، فهي أكثر من مشروع نشر؛ هي محاولة لإعادة كتابة جماعية للمعرفة العربية بيد من يحملون لغة الأمة وقضاياها لا مجرد حصرها.

عندما تسمع عن هذا العمل تشعر أن هناك نبضا تقافيا يعيد ترتيب الصلات بين الماضي والحاضر، وأن اللغة ليست مادة جامدة بل كائن حي يحتاج إلى صياغة واعية.

المعارض الفرعية، الندوات عن مستقبل النشر في عصر الذكاء الاصطناعي، جلسات الترجمة التي تربط نصوص العالم، ومسرحيات الأطفال والتظاهرات الشعرية، كلها تؤسس لفرضية واحدة:

أن الكتاب، رغم كل الصخب الرقمي، ما زال يحتفظ بقدرته على أن يصنع عالما مواز للحلم والوعي.

وفي هذا العالم يبدو القارئ كبطل بسيط لا يقاتل ممالك أو طغاة، بل يقاوم النسيان بحبر وسفر وورق .

حين تمشي في الممرات الطويلة ترى وجوها مختلفة تحمل كتبا تشبهها:

شاب يبحث عن رواية تغير نظرته إلى المستقبل، امرأة تلتقط ديوانا كأنها تعثر على مرآة قديمة، طفل يفتح كتابه الأول وكأن العالم كله يفتح له بابا.

في ذلك المشهد تفهم سر الشعار:

ليست المسافة بينك وبين الكتاب مسافة غياب، بل مسافة تصبح فيها العين نورا أكثر من أن تكون مجرد مستقبل للمعلومات.

يختتم كل يوم من أيام المعرض بحديث داخلي:

هل نحن أمام حدث سنوي فحسب أم أمام بناء مستمر لوعي عام؟

كلمتا الحاكم تترددان بعد النهاية كأنهما جواب مؤجل:

الثقافة ليست موسما ولا مناسبة، هي مصير.

والشّارقة بهذا المعرض تؤكد أنها تختار أن تكون جزءا من هذا المصير.

تترك الردهات وتستفيض في الظلام الخارجي، الأضواء على الواجهات تبدو كصفحات تقرأنا كما نقرأها.

في الشارقة، يصبح القارئ هو البطل الحقيقي.

المدينة لا تعرض الكتب فقط، بل تعرض ملامح وجهنا حين نقرأ.

من طفل يفتح أول كتاب في حياته، إلى شيخ يعثر على جملة كان يبحث عنها منذ ثلاثين عاما، المشهد لوحة من الدهشة المستمرة.

كأن المعرض لا يقام في مكان محدد، بل في قلب كل من آمن أن الكلمة تنقذ العالم من الصمت.

وحين تغادر المعرض، تشعر أن المسافة بينك وبين الكتاب قد أضاءت فعلا.

تلك المسافة التي تبدأ من عينك وتنتهي بقلبك، من الصفحة إلى الذات، من الحبر إلى النور. كأن كل ما قرأته هناك لم يكن سوى مرآة لروحك، تقول لك بهدوء:

اقرأ أكثر، لترى أبعد.

فهناك، بين الكتاب والقلب، تضيء المسافة.

……………………..

👁️ عدد المشاهدات: 33

Leave a comment

error: Content is protected !!
arArabic
Explore
Drag