تشير دراسات عديدة إلى أن نسبة كبيرة من الأمراض العضوية قد يكون أصلها نفسيًا، وهو ما يجعل التعبير عن المشاعر ضرورة لا رفاهية.
فالمشاعر حين تُكبت لا تختفي، بل تتحول إلى عبء داخلي قد ينعكس على الجسد والسلوك معًا.
لذلك، يصبح من المهم أن يجد الإنسان وسيلته الخاصة للتنفيس عما بداخله، سواء بالكلام، أو الكتابة، أو حتى من خلال الفن.
الفن، في هذا السياق، ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل لغة عميقة للتعبير.
من خلال الموسيقى، أو الرسم، أو الكتابة، يستطيع الإنسان أن يُخرج ما يعجز عن قوله، وأن يعيد ترتيب مشاعره بشكل أكثر وعيًا.
فالمشاعر في كثير من الأحيان تكون المحرك الأساسي للسلوك الإنساني؛ الحماس، والحب، والغضب، والحزن… كلها طاقات تبحث عن منفذ، ويأتي الفن ليمنحها هذا المنفذ الآمن.
ولا يقتصر دور الفن على التعبير الفردي فقط، بل يمتد ليعكس مشاعر المجتمع بأكمله.
فالفنان قد يعبر عن رفض الظلم، أو عن معاناة الإنسان تحت القهر، أو عن توقه للحرية، وكأنه يترجم ما يشعر به الآخرون دون أن يستطيعوا التعبير عنه.
وهنا يصبح الفن مرآة جماعية، لا مجرد تجربة شخصية.
ومن زاوية أخرى، ترتبط المشاعر بما يُعرف بـ”لغات الحب”، حيث يختلف الأفراد في الطريقة التي يفضلون بها تلقي الاهتمام والتعبير عنه.
فهناك من يرى أن تكريس الوقت هو أصدق أشكال الحب، فيشعر بقيمته حين يشاركه الآخرون وقتهم واهتماماتهم.
ولهذا، نشعر أحيانًا بالحزن عند انتهاء وقت نقضيه مع من نحب، وكأننا لم نكتفِ بعد، لا لأن الوقت قصير، بل لأن الشعور بالاهتمام لم يكتمل.
يتجلى هذا المعنى بوضوح في علاقة الآباء بالأبناء.
فالطفل لا يحتاج إلى الكثير بقدر ما يحتاج إلى حضور حقيقي: وقت يُقضى معه، لعبة مشتركة، حديث بسيط، أو حتى مشاهدة شيء يحبه.
هذه التفاصيل الصغيرة تشبع حاجته العاطفية وتمنحه الإحساس بالأمان.
وعلى العكس، قد يؤدي الضغط النفسي الواقع على الآباء إلى تفريغ توترهم في الأبناء، مما يخلق فجوة عاطفية رغم وجودهم في نفس المكان.
ومع تقدّم العمر، تتغير احتياجات الإنسان، فيبحث عن من يشاركه اهتماماته ويفهم ميوله، سواء كان صديقًا أو شريك حياة.
وهنا تظهر أهمية الوعي بالمشاعر، ليس فقط في الإحساس بها، بل في إدارتها.
فالمشاعر العاطفية، رغم كونها طبيعية، تحتاج إلى توازن، حتى لا تتحول إلى اندفاع غير محسوب.
ويظل العقل الواعي هو القادر على تنظيم هذه المشاعر، بحيث لا يقع الإنسان تحت سيطرتها، بل يوجّهها بما يحقق له الاستقرار.
ومن منظور علم النفس، يُعد السلوك الإنساني استجابة لمنبهات مختلفة، والمشاعر نفسها قد تكون من أقوى هذه المنبهات.
فالطفل، حين يبكي، لا يعبّر فقط عن احتياج مادي، بل عن رغبة في الاهتمام.
وطريقة استجابة من حوله – سواء بالاحتواء أو التجاهل – تشكّل جزءًا كبيرًا من نموه النفسي.
ولا يختلف الكبار كثيرًا عن الأطفال في هذا الجانب، وإن اختلفت الوسائل.
فقد يظهر الاحتياج في نبرة صوت، أو في صمت مفاجئ، أو في رغبة بالحديث مع صديق.
وقد يكون سؤال بسيط مثل “ماذا بك؟” كافيًا لتخفيف عبء داخلي كبير. فنحن جميعًا نبحث عن الاهتمام، لكننا غالبًا لا نطلبه بشكل مباشر، بل نعبّر عنه بطرق غير واضحة.
وتنعكس هذه المشاعر أيضًا في سلوكياتنا اليومية واختياراتنا.
فنحن نميل إلى نوع معين من الموسيقى لأنه يشبه حالتنا، أو ننجذب إلى فيلم لأننا نرى أنفسنا في أبطاله.
قد نتخيل أنفسنا داخل قصة، أو نعيش مشاعر شخص آخر، وفي كل ذلك نحاول أن نقترب من صورة نتمنى أن نكونها.
حتى الأطفال، حين يروون قصصًا غير حقيقية، لا يكون ذلك بدافع الكذب بقدر ما هو تعبير عن عالمهم الداخلي.
فالطفل الذي يختلق حكاية، إنما يعبّر عن حلم أو رغبة لم تتحقق. وإذا ادعى المرض، فقد يكون في الحقيقة يبحث عن الاهتمام، لا عن التبرير.
وفي هذا كله، يتضح أن كل ما يحيط بنا قادر على تحريك مشاعرنا:
تأمل السماء، النظر إلى الطبيعة، الاستماع إلى صوت هادئ، أو حتى المرور بتجربة صعبة… كلها لحظات تعيد تشكيل إحساسنا بالعالم، وتجعلنا أكثر قربًا من أنفسنا.
في النهاية، تظل المشاعر مرآة تعكس ما بداخلنا، ويظل الفن أحد أنقى الوسائل لفهم هذه المشاعر والتعبير عنها.
نحن لا نبحث فقط عن من يفهمنا، بل نبحث أيضًا عن وسيلة نفهم بها أنفسنا…
وهنا، يبدأ دور الفن، وتبدأ حكاية الإنسان مع ذاته.
………..
أود ان اتوجه بخالص الشكر للصديق المخلص الفنان المجتهد المكافح الطموح الموهوب الذي دعمني وقدم لي المعلومات الكافية الوافية لكتابة تلك المقال.
كما أتوجه بكامل الشكر لسندي ودعمي ورفيقة دربي أمي الحبيبة الصبورة مصدر إلهامي.
كما أقدم كل شكري وتحياتي الخاصة لمصدر التفاؤل والطموح والطاقة الايجابية الدكتور البطل/ خالد شبانة .
وخالص التحية للجدير بكل شكر أستاذي الفاضل الذي أعطاني الإلهام لكتابة كثير من مقالاتي أستاذي أستاذ الحاسوب والبرمجة ورئيس مجلس إدارة مكتبة طه حسين بمكتبة الاسكندرية الدكتور/ محمد صبحي
لهم مني جميعا خالص التحية وأهدي لهم هذا المقال
………..
👁️ عدد المشاهدات: 52
