Skip links

مدارات الألم وتيه المريد في ديوان (طقس لمعجزة أخيرة) للشاعر/ ربيع السايح – أشرف عزمي

ديوان (طقس لمعجزة أخيرة) مجموعة قصائد تكبلك في مدار من التصوف فهو سيرة روحية مكتوبة على هيئة أناشيد، سيرة إنسانٍ يقطع الطريق بين اليقين والارتياب، بين العشق والخذلان، وبين الله والعالم، حافي القلب، مثقلاً بالأسئلة، ومؤمناً – على الرغم من كل شيء – أن المعجزة لا تموت، لكنها فقط تؤجَّل.

منذ العتبة الأولى، يعلن ربيع السايح انحيازه إلى القصيدة بوصفها طقساً، لا خطاباً، ومكاشفة لا ادّعاء.

فالعنوان نفسه (طقسٌ لمعجزةٍ أخيرة) لا يعد بالخلاص، بل يهيئ له؛ لا يمنح اليقين، بل يدرب الروح على احتماله.

وكأن الشاعر يدرك أن المعجزات لا تهبط على الجموع، بل تُستدعى فردياً، عبر الألم، والخذلان، والانتظار الطويل.

في هذا الديوان، لا يقف الشاعر في موضع الواعظ، ولا يتخفى خلف قناع النبوءة، بل يتقدم بوصفه كائناً مجروحاً، يعترف:

مُتَعَثِّرٌ في صمتِ أنَّاتي              ومُسافِرٌ مِنِّي إلى ذاتي

هنا تتجلى إحدى أهم ثيمات الديوان: الاغتراب الوجودي.

ليس الاغتراب عن المكان فقط، بل عن الذات نفسها، عن الصورة القديمة للروح، عن اليقين الذي كان، عن الله حين يبدو بعيداً، وعن الإنسان حين يتحول إلى قيد.

إن الشاعر لا يبحث عن وطن خارجي، بل عن موضع داخلي آمن، ولذلك يقول بمرارة صافية:

لا بيتَ لي، كلُّ البيوتِ قنابلُ             لا حضنَ لي، كلُّ الأكفِّ مقاصلُ

غير أن هذا اليأس لا يتحول إلى عدمية، بل إلى سؤال أخلاقي:

كيف نحيا دون أن نخون قلوبنا؟

كيف نُبقي على نقاء الروح في عالم يساوم على كل شيء؟ هنا تتخذ القصيدة عند ربيع السايح وظيفة التطهر، فيغدو الشعر صلاةً غير مكتملة، ودعاءً يعرف مسبقاً أنه قد لا يُستجاب، ومع ذلك يُقال.

البعد الصوفي في الديوان ليس زخرفاً لغوياً، بل تجربة وجودية حقيقية.

فالشاعر لا يستعير الرموز الدينية ليُجمل نصه، وإنما ليحاكم نفسه والعالم.

يتكئ على قصص الأنبياء لا بوصفهم شخصيات مقدسة بعيدة، بل كمرآة إنسانية للخذلان والصبر والانتظار.

فيقول:

نبيٌّ دونَ معجزةٍ وما مِنْ             نبيٍّ لم يُمَحَّصْ بابتلائِه

هنا يبلغ الديوان ذروة صدقه: النبوة ليست امتيازاً، بل محنة، والمعجزة ليست خرقاً للنواميس، بل قدرة على الاحتمال.

أما العشق، فهو في هذا الديوان ليس نقيض الإيمان، بل امتداده الإنساني.

الحبيبة، حين تظهر، لا تُختزل في جسد أو حكاية، بل تتحول إلى معنى، إلى وطن مؤقت، إلى نجاة هشة.

يقول الشاعر:

أنقذتَني منّي وفيكَ أضعتَني              أتكونُ منكَ بكَ النجاةُ وأغرقُ

وهنا تتداخل ثيمات الحب والفقد والخلاص في نسيج واحد، فلا نعود قادرين على الفصل بينها.

فالعشق، كالإيمان، مغامرة غير مضمونة النتائج، لكنه وحده ما يمنح الحياة معناها.

لغوياً، يعتمد ربيع السايح على لغة شفيفة، موسيقية، مشحونة بالصور الكونية (الريح، النجوم، الصحراء، البحر، التيه).

غير أن هذه العناصر لا تأتي بوصفها زينة بلاغية، بل كامتداد داخلي لروحه القلقة.

فالطريق في الديوان ليس طريقاً جغرافياً، بل رحلة وعي، والسفر ليس انتقالاً، بل افتقاداً مستمراً.

في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان، يعلن الشاعر موقفه النهائي من العالم:

يُقالُ: لكلِّ معجزةٍ طقوسٌ              ويبقى الحبُّ يخترقُ الطقوسا

وهنا يمكن قراءة الديوان كله، بوصفه رهاناً على الحب، لا باعتباره خلاصاً سهلاً، بل بوصفه القوة الوحيدة القادرة على اختراق القسوة، والزيف، والخراب العام.

(طقسٌ لمعجزةٍ أخيرة) ديوان يكتبه شاعر لا يدَّعي النجاة، لكنه يرفض الاستسلام، شاعر يعرف أن الطريق طويل، وأن المعجزة قد لا تأتي، ومع ذلك يواصل الكتابة، لأن الكتابة نفسها شكل من أشكال النجاة المؤقتة.

إنه ديوان يُقرأ ببطء، لا لأن لغته معقدة، بل لأن روحه ثقيلة بالأسئلة، ولا يمنح نفسه إلا لمن يملك الشجاعة أن يرى ضعفه في مرآة القصيدة.

ومن هنا، لا يمكن تصنيف (طقسٌ لمعجزةٍ أخيرة) ضمن الصوفية التقليدية، بقدر ما ينتمي إلى صوفية التيه الإنساني، صوفية لا تحتفي بالوصول، بل تُقيم في الطريق، ولا تُعلن الكشف، بل تكتفي بصدق المحاولة، حيث يصبح الجرح هو المقام، والسؤال هو الذِّكر، والقصيدة هي الطقس الأخير للنجاة.

…………………….

Leave a comment

error: Content is protected !!
arArabic
Explore
Drag